زكاة القول

الاثنين 2014/02/17

لا تعجبني عبارة “سرقة أدبية”؛ فنسبة الأدب إلى السرقة لا تليق، الشعر أو النثر أو الأفكار والنظريات المتعلقة بها، لا تسرق، وإنما تؤخذ في واضحة النهار، وعلى رؤوس الأشهاد، لأن من حق كل إنسان أن يكون له حظ من الأدب، ولهذا فإن ذلك الفيض الرباني، الذي قد يختص به كاتب فرد، دون سواه، هو في المحصلة النهائية هبة مشاعة بين خلق الله، وإنما اصطفى الباري شخصا بعينه، من عموم الناس، لحمل الرسالة الأدبية، لحكمة لا يعلمها إلا هو، مثلما اختار من قبل الأنبياء والمرسلين لأداء الرسائل الدينية.

بناء على هذا الافتراض ، أجدني مرتاحا جدا، ومتسامحا إلى أبعد حد، بخصوص ما يسمى “سرقات أدبية” أتعرض لها، فلا أغتاظ حين أعثر في بعض المقالات أوالكتب أوالأطروحات الجامعية، على مقاطع مما خطته أناملي، قد تكون عبارة عن جمل وفقرات مموهة ببعض التصرف، مع إشارة في الهامش إلى جملة أو كلمة من باب التحية الواجبة، مع التمتع بالباقي… أستقبل الأمر بحبور شديد وأعتبره علامة نبوغ، فلا يتعرض للنهب إلا المتاع النفيس،… بل أعتبر الأخذ حقا لمقترفه، ما دام النص أعجبه، فهو له.

وقبل ذلك وبعده يجب أن تبقى قيم الاقتسام والتشارك والملكية الجماعية، راسخة في قرارات أنفس ممتهني حرفة الأدب، فحين ندعي كروائيين وشعراء ونقاد ومسرحيين، أننا يساريون واشتراكيون، فمن اللازم أن نكون كذلك فعلا لا قولا فحسب؛ وبناء عليه فمن يملك نصا (وهو في النهاية مجرد قول لا قطيعا من الإبل، ولا رصيدا من العملات السهلة أوالصعبة) فيجب أن يؤمم ملكيته المعنوية، قبل أن ينادي بتأميم المصانع والشركات.

وحتى إذا كنا يمينيين ممن عصمهم الله من حبائل الأفكار اليسارية الساذجة والطفولية، فيجب أن نمتثل لفريضة الزكاة ـ، وأن نؤديها بمقدار في ما نملك. وبما أن أغلبنا لا يزكي في المال فعلى الأقل يجب أن يخرج “زكاة القول”، وذلك بمنح قدر يسير من الصفحات أو الفقرات في النصوص المطبوعة ورقيا أو رقميا، للسائل والمحروم، حتى يبارك لنا الله فيما رزقنا ويوسع لنا في الشهرة والجوائز.

ألم تتساءل، عزيزي القاريء، بينك وبين نفسك، في السر وراء غياب شيء اسمه “المؤلف” في الآداب الشعبية، فجل الأساطير والحكايات والسير والأمثال والأزجال المأثورة لا يُعرف لها مؤلف، بل إن بعضها نسب لأكثر من كاتب، وبعضها الآخر أعيدت صياغته عبر أزمنة وفضاءات جغرافية شتى، دون تذمر من أحد، وظلت تلك النصوص عبر تاريخها مشاعة بين القراء والمؤلفين الشعبيين الكرماء. عليك بالتقاسم والزكاة عزيزي القاريء، والترفع عن البخل، والزهد في الملكية الخاصة التي لا تورث صاحبها إلا الحسد.


كاتب من المغرب

15