زكاة المصريين تصل إلى الدولة بدل الفقراء

فتاوى التبرع لمؤسسات حكومية تزيد الهوة بين المواطنين والمؤسسات الدينية.
الاثنين 2021/07/26
في انتظار مبادرات الحكومة

تستفز فتاوى المؤسسات الدينية في مصر الداعية لتوجيه الزكاة إلى مبادرات حكومية اجتماعية شريحة كبيرة من المصريين الذين ينظرون إلى الخطوة على أنها تقلل فرص الفقراء في الحصول على تلك الزكاة، بالإضافة إلى أن الخطوة فيها الكثير من التناقض مع الانتقادات التي توجهها الدولة لتنظيمات الإسلام السياسي التي تستخدم الفتاوى لتقوية شوكتها.

القاهرة - أعادت فتوى صدرت قبل أيام عن دار الإفتاء المصرية بجواز توجيه أموال الزكاة للمبادرة الحكومية المعروفة بـ”حياة كريمة” الجدل حول تعدد فتاوى المؤسسات الدينية التي تحفز المصريين على التوجه بأموال الزكاة والتبرعات إلى هيئات تابعة للحكومة تعمل في مشروعات تنموية مختلفة، وهو ما طرح العديد من التساؤلات حول الجدوى من توظيف الدين لخدمة شؤون حكومية في دولة تخوض حربًا شرسة ضد استغلال التنظيمات الإسلامية للفتاوى لتقوية شوكتها.

كما أن هذا الاتجاه يقوض مخصصات سخية موجهة من أفراد إلى غيرهم منذ فترة طويلة وكانت تسد فجوة كبيرة داخل المجتمع، لأن المستفيدين منها ينتمون إلى شرائح مختلفة، بينما الخطوة الجديدة تحصر أموال الزكاة في مشروعات هي من صميم واجبات الحكومة التي تتحدث كثيرا عن دورها الاجتماعي وأثره الإيجابي بين الناس.

وبررت دار الإفتاء فتواها الأخيرة بأنه “يجوز الصرْف من أموال الزكاة على تهيئة المسكن للفقراء والمساكين، من خلال الأبنية البديلة للعشوائيات، ورفع كفاءة القرى الفقيرة، وفرش المنازل الجديدة للفقراء، ورعاية الأطفال الذين يعيشون بلا مأوى، من خلال بناء دور الرعاية لهم وتجهيزها والصرف عليها من أموال الزكاة، وكذلك في القيام بتدريب هؤلاء الأطفال وتعليمهم بهدف إيجاد فرص عمل لهم”.

وتفتح هذه الفتاوى بابا للتشكيك في توجهات الحكومة الرامية لتخفيف الأعباء عن كاهل قطاع من المواطنين، وتدخلها في خانة الحرص على توظيف الدين بأيّ وسيلة، وهي الطريقة التي يمكن ألاّ تحقق نتيجة كبيرة باعتبارها قادمة من إرادة الحكومة وتصوراتها للعمل الاجتماعي الذي تريد حصره في النماذج التي تريدها.

تفسيرات وتأويلات دينية

فئة كبيرة من المصريين تفضل أن تصل أموال الزكاة إلى أصحابها مباشرة، ولا تريد أن تتداخل مع جهود الحكومة، والتي مهما اتسع نطاقها تبقى مقيدة بحسابات موظفيها
فئة كبيرة من المصريين تفضل أن تصل أموال الزكاة إلى أصحابها مباشرة، ولا تريد أن تتداخل مع جهود الحكومة، والتي مهما اتسع نطاقها تبقى مقيدة بحسابات موظفيها

أكد الدكتور محمد وسام خضر رئيس إدارة الفتوى المكتوبة بدار الإفتاء، في أن مبادرة “حياة كريمة”، والتي دشن مؤتمرها الأول الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مؤخرا “تعد تطبيقا حقيقيا لشريعة الزكاة التي جعلها الله تكافلا اجتماعيا وأن الزكاة تأخذ من الأغنياء وتقدم للفقراء لتقل الطبقية بين جميع الطبقات لتحسين الأوضاع المعيشية لكافة طبقات المجتمع، لذلك يجوز توجيه أموال الزكاة إلى المبادرة”.

وتقلل هذه التفسيرات الجاهزة من مسألة التجاوب مع المبادرة، لأنها تستخدم الدين في الوصول إلى أغراضها، ومهما كان نبل الهدف الذي دفع إلى ذلك تظل الهواجس كامنة في التفاصيل، لأن فئة كبيرة من المصريين تفضل أن تصل أموال الزكاة إلى أصحابها مباشرة، ولا تريد أن تتداخل مع جهود الحكومة، والتي مهما اتسع نطاقها تبقى مقيدة بحسابات موظفيها.

وتقوم المبادرة التي حظيت باهتمام فاعل خلال الأيام الماضية من قبل جهات رسمية على تنمية القرى الأكثر احتياجًا والبالغ عددها 4500 قرية وفقًا لخريطة الفقر، وتوفير فرص عمل بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، وتجهيز الفتيات اليتيمات للزواج، ويبلغ عدد المستفيدين منها نظريا ما يقرب من 55 مليون مواطن بتكلفة تصل إلى 700 مليار جنيه (حوالي 5 مليارات دولار).

لم تكن المبادرة الجديدة الوحيدة التي تتجه إلى المجتمع المصري، حيث تعددت الفتاوى الدينية بالتبرع للجهات الحكومية في السنوات الماضية، وبنت وزارة الأوقاف خطابها الدعوي في المساجد ووسائل الإعلام على أن توجيه أموال الصدقات والزكاة إلى المشروعات التي تستهدف تحسين حياة المواطنين لا يقل أهمية عن التوجه إلى الجمعيات الخيرية التي طالتها اتهامات عديدة بالفساد، وبدت الحكومة مهتمة بتوجيه أموال الجمعيات إلى هيئاتها العاملة في مجالات الارتقاء بحياة المواطنين.

الفتاوى الدينية المحرضة على توجيه الزكاة إلى مشروع مثل "حياة كريمة" تستهدف الانتقال من مرحلة إشراك الجمعيات الأهلية والكيانات الخيرية في عمليات التنمية لإيجاد حالة من التواصل المباشر بين المواطنين والحكومة

وتستهدف الفتاوى الدينية المحرضة على توجيه الزكاة إلى مشروع مثل “حياة كريمة” الانتقال من مرحلة إشراك الجمعيات الأهلية والكيانات الخيرية في عمليات التنمية لإيجاد حالة من التواصل المباشر بين المواطنين والحكومة.

وقد تكون للخطوة تأثيرات سلبية متعددة، ففي حال لم تحقق الهيئات الحكومة المرجوّ منها في المجتمع سوف تتبدد الثقة بين المواطنين والمؤسسات الدينية التي أصدرت هذه الفتاوى، إلى جانب أنها قد تؤدي إلى مشكلة أخرى بين الجانبين، مفادها أن جهات الفتوى الرسمية تحولت إلى أداة طيعة في يد الحكومة لا تحسب حسابا كبيرا لدورها المجتمعي، ما يمنح قوى متربّصة الفرصة للمزيد من التشكيك في فتواها.

ورغم تباين التفسيرات في هذه الطروحات المجتمعية، إلا أنها تقطع الطريق على استغلال بعض التنظيمات الإسلامية التي لا تزال تعمل في الخفاء داخل المجتمع المصري، وتريد استعادة بريقها عبر حض أتباعها على توجيه أموال الزكاة إلى فئات معينة، في محاولة لاستقطاب شريحة مجتمعية تدين بالولاء لهذه التنظيمات التي لم تيأس من التفكير في العودة إلى نشاطها بين الناس بصورة قد تعيد لها البريق السابق.

علاقة ملتبسة

المساجد في خدمة الدولة
المساجد في خدمة الدولة

يقود الربط بين الفتاوى الدينية والجهود الحكومية في مجالات مختلفة إلى المزيد من العلاقة الملتبسة بين الدين والدولة على مستوى التوظيف السياسي للدين، لأن الحكومة استطاعت إلى حد كبير التعامل مع توظيف تنظيم الإخوان للفتاوى والخطب الدينية من أجل استقطاب أموال المواطنين بعد أن جرى إغلاق العدد الأكبر من الجمعيات الأهلية التابعة لجماعات الإسلام السياسي، لكنها في المقابل تقوم بالأمر ذاته عبر توجيه المواطنين للتبرع لمؤسساتها بفتاوى دينية تحفزهم على التوجه إليها.

ومع أن ضبط العلاقة بين الدين والدولة أو الفصل الكامل بينهما وفقا لمقتضيات الدولة المدنية المنشودة في مصر يصب بشكل مباشر في مواجهة جماعات الإسلام السياسي، إلا أن الحكومة على الجانب الآخر لا يمكنها أن تتخلى عن الخطاب الديني وترى أن زيادة الجرعة الدينية في المجال العام يسحب البساط من تحت أقدام القوى الإسلامية التي لا تزال تعمل في الخفاء، ويوقف باب المزايدة على الدين.

سامح عيد: المبادرة تخدم  الإسلاميين وتعد فرصة مواتية لهم للدخول على خط الفتاوى
سامح عيد: المبادرة تخدم  الإسلاميين وتعد فرصة مواتية لهم للدخول على خط الفتاوى

تكمن المشكلة الأساسية في أن العلاقة التاريخية بين الحكومات والأنظمة المصرية المتعاقبة منذ نظام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر والمؤسسات الدينية تقوم على المنفعة المتبادلة، إذ أن المؤسسات الدينية تحتفظ لنفسها بقدر كبير من الهيمنة، في حين أن ارتكان الحكومة إليها في العديد من الأزمات والمشكلات يحافظ على حضورها في المجتمع ويكرس دورها، وبالتالي لا يمكن تهميش الأدوار الدينية لهذه المؤسسات وفقا لمعادلة التوازن التي تجيد التحكم فيها العديد من الجهات الرسمية.

وأكد الخبير في شؤون تنظيمات الإسلام السياسي سامح عيد أن توظيف الفتاوى الدينية لخدمة أهداف الحكومة عبر توجيه الزكاة لمشروعات مجتمعية يؤدي إلى تراجع الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم الدينية العريقة، ويخدم مباشرة جماعات الإسلام السياسي التي قد تجد الفرصة مواتية للدخول على خط الفتاوى.

وأضاف لـ”العرب” أن التبرعات عموما من القضايا الشائكة التي يدور حولها جدل كبير، وتصطحب معها مستوى مرتفعا من الشكوك خاصة ما تعلق بالجدوى منها ومدى الحرص على توجيهها إلى مستحقيها فعلياً، ما يؤدي إلى اتساع رقعة الهواجس في عقول المواطنين من هذه الفتاوى وعدم الاقتناع بها في المحصلة النهائية.

وتبدو المؤشرات الظاهرة لنسبة وصول الأموال المدفوعة من المواطنين إلى المستحقين من خلال الجمعيات الأهلية أو المؤسسات الحكومية ليست كبيرة للحد الذي يمكن التعويل عليها في إحداث طفرة في المشروعات التنموية، لأن هناك وجوها مختلفة للصرف، الأمر الذي يدركه البعض من المواطنين، ولذلك قد تأتي قراراتهم عكسية والبحث عن جهات لها حضور مجتمعي مؤثر في المناطق الفقيرة أو توجيه الأموال بشكل مباشر إلى الفقراء والمستحقين للزكاة.

تشير تقديرات صادرة عن الجمعيات الأهلية أن نسبة الأموال التي تصل إلى المستحقين من خلال الهيئات التي تتوسع في عملية الدعاية ولديها مجموعة كبيرة من الموظفين العاملين بها لا تتجاوز الـ20 في المئة، ما يشير إلى وجود نسبة من المواطنين تتعامل مع الفتوى الأخيرة على أنها بمثابة دعم للصناديق والهيئات الحكومية العاملة في مجال الإنشاءات والبناء.

توسع في التبرعات

محمد وسام خضر: مبادرة "حياة كريمة" تعد تطبيقا حقيقيا لشريعة الزكاة
محمد وسام خضر: مبادرة "حياة كريمة" تعد تطبيقا حقيقيا لشريعة الزكاة

تستند الفتوى الجديدة بشكل غير مباشر إلى المصداقية الكبيرة لخطاب الرئيس عبدالفتاح السيسي في المجتمع وتجاوب شريحة كبيرة مع المشروعات التي يتبناها، فقد طلب مساهمة المصريين في حفر فرع لقناة السويس يسهّل حركة مرور السفن، وحصل على المبلغ المطلوب في مدة لا تتجاوز أسبوع، وهو الرهان الذي يمكن تكراره في مسألة الزكاة، باعتبارها أحد وجوه الإنفاق الكبيرة في المجتمع المصري التي يمكن الاستفادة منها.

وأصدرت دار الإفتاء قبل أيام فتوى أخرى أجازت توجيه أموال الزكاة والصدقات للتبرع لصندوق الاستثمار الخيري لدعم ذوي الإعاقة المعروف باسم “عطاء” ويستهدف استثمار الأموال التي يكتتب بها في الصندوق ويستخدم عائدها في تمويل برامج رعاية ذوي الإعاقة، ويعد أول صندوق استثمار خيري مفتوح في مصر.

ويدعم التوسع في حث الناس على التبرعات زيادة اعتماد المواطنين على الفتاوى في كافة تعاملاتهم اليومية، بينما هناك عدد كبير من هذه الفتاوى لا يصدر عن جهات رسمية، وفي تلك الحالة فإن الفتاوى المتشددة تصبح الأكثر تأثيراً في المواطنين الذين لا يملكون قدرا كبيرا من الثقة فيما يصدر عن المؤسسات الدينية الرسمية.

وقد انتشرت صفحات الفتاوى على مواقع التواصل الاجتماعي التي يقوم عليها أشخاص يتبعون تنظيمات إسلامية توظف الدين ضمن معركتها السياسية مع الحكومة المصرية، أو آخرون يفتقرون للعلم الكافي لإصدار فتاوى تتماشى مع تطورات المجتمع الحالية، وما يقتضيه من مواءمات دينية.

وقال الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية ماهر فرغلي إن خطوات دار الإفتاء قد تكون إيجابية في المجتمع، حال وجدت فتاوى تدحض الأفكار السلفية المهيمنة على عقول المواطنين منذ عقود طويلة، ويعدّ الذهاب باتجاه التبرع للمبادرة المجتمعية “حياة كريمة” أحد أوجه التعامل مع الخطاب المتشدد الذي حصر أموال الزكاة في مصارف محددة وظفها تنظيم مثل الإخوان في زيادة شعبيته داخل المناطق الفقيرة.

وأوضح لـ”العرب” أن الفتاوى الأخيرة تستهدف أن يجري توجيه التبرعات لخدمة الوطن الذي يخدم الدين أيضًا دون أن يكون هناك تركيز على نصرة الشريعة فقط كما كانت تروج تنظيمات الإسلام السياسي، وأن دار الإفتاء ومؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف في مصر هي هيئات حكومية تقوم بدورها لتنوير المجتمع بكل فئاته، بهدف شغل الفراغ الذي تركته جماعة الإخوان والمتحالفين معها في السنوات الماضية.

ويحرص الكثير من المراقبين على التفرقة بين الفتاوى الصادرة عن تنظيمات سياسية تتخذ من الدين ذريعة لأنشطتها، وبين فتاوى المؤسسات الدينية الرسمية التي تستهدف المنفعة العامة وليس الإنفاق على جماعة أو كيان سياسي تحت غطاء الدين.

13