زكريا الزبيدي وقصة النفق الفلسطيني الطويل

عملية هروب الزبيدي لم تنته نهاية سعيدة كما حدث في فيلم هوليوود الشهير "الخلاص من شوشانك".
الثلاثاء 2021/09/14
تحولات الممثل من المقاومة إلى نجومية قصص الهروب

لندن - لم تنته عملية الهروب للسجين الفلسطيني زكريا الزبيدي نهاية سعيدة كما حدث في فيلم هوليوود الشهير “الخلاص من شوشانك”، بعد أن قامت الشرطة الإسرائيلية بضبطه مع ثلاثة آخرين ممن شاركوه عملية الهروب والفرار المذهلة من سجن إسرائيلي محصن.

تمكن الزبيدي خلال الأعوام الماضية، من لفت الأنظار إليه، عبر ظهوره في مراحل مختلفة حاملا مرة البندقية، ومرة رايات متشددة، وفي أحيان أخرى كان يدعو إلى ما سمّاها “ثورة ثقافية”. وأحدث تلك الطلات البرّاقة كانت مغامرة حفر نفق يفضي إلى خارج سجن شديد الحراسة مع خمسة نشطاء فلسطينيين آخرين.

قصة النفق هذه ليست جديدة على المنطقة، فقد بدأ سجناء سياسيون عراقيون بحفر نفق ذات يوم من أيام مايو عام 1967 واستمروا بالحفر حتى ليلة السابع من نوفمبر من العام ذاته، وأخيرا سهّل لهم الهروب من سجن الحلة، وكان من بين الهارين حينها الشاعر مظفر النواب الذي يروي الحكاية بطريقة شيّقة حين يصف اللحظة التي فتحوا فيها آخر طبقة من طبقات النفق حين ظهرت السماء، يقول النواب إن تلك القطعة الصغيرة من السماء كانت أجمل سماء رآها في حياته. 

لكن تلك القصة تشوبها الشاعرية، بينما تغرق قصة الزبيدي بالملابسات السياسية لاسيما حين يتم تداول صور قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذي قتلته الولايات المتحدة مطلا من فتحة النفق في رمزية تدل على داعم الهاربين الجدد.

الجنرال الإسرائيلي المتقاعد يوسي كوبرفاسر يعتبر الزبيدي فورست غامب فلسطيني نوعا ما. فقد لعب كل الأدوار، على حد قوله، قبل أن ترصد التقارير اضمحلال صورة الزبيدي من الإعلام في السنوات الأخيرة، ومن ثم عودته عبر حكاية النفق

تحولات أبناء الانتفاضة

ولد الزبيدي في مخيم جنين شمالي الضفة الغربية، بين سبعة أشقاء. وعاش يتيم الأب، ومثله مثل الجيل الذي شهد انتفاضة الثمانينات، اندفع في حالة من النضال المستمر، نقلته من عقيدة إلى أخرى، ثم جاءت عملية السلام لتكبّل أيدي أولئك الذين يصفهم البعض بالفوضويويين، غير المنضبطين وفق أجندة القيادات السياسية.

وكان من الطبيعي أن تقود تلك التناقضات إلى العنف، فحمل الزبيدي ورفاقه السلاح في الانتفاضة الثانية التي جعلته يخسر والدته وشقيقه.

إسرائيل تعرف أن شخصية من طراز الزبيدي من الممكن أن تتحول إلى أيقونة إن تركت في الخارج، بعيدا عن السجن، غير أنها تعرف أيضا أن المشهد الفلسطيني بالمجمل بات مشهدا مضطربا ضيّع فيه كثيرون البوصلة.

فلا فرق إن كانوا في السجن أو خارجه لأن خطاهم ستقودهم إلى تحطيم صورتهم بأيديهم. وهي بالمقابل تصنّف الزبيدي كإرهابي مسؤول عن عمليات انتحارية وهجمات استهدفت مدنيين.

عن ذلك يقول الجنرال الإسرائيلي المتقاعد يوسي كوبرفاسر “من نواح عديدة، يعتبر الزبيدي طفل الملصق للإسرائيليين لحملة الإرهاب الفلسطينية في الانتفاضة الثانية. إنه فورست غامب، نوعا ما. فقد لعب كل الأدوار”.

وترصد التقارير اضمحلال صورة الزبيدي من الإعلام في السنوات الأخيرة، ومن ثم عودته عبر حكاية النفق.

الحاكم الفعلي لجنين

جاذبية الزبيدي تتجاوز الفلسطينيين إلى الإسرائيليين أنفسهم
جاذبية الزبيدي تتجاوز الفلسطينيين إلى الإسرائيليين أنفسهم

 مع غياب دور القيادات التاريخية للحركة الفلسطينية، أصبح الزبيدي قائدا لـ”كتائب شهداء الأقصى”، إحدى الأذرع العسكرية المتبقية من حركة فتح، في مخيم جنين الذي شهد في العام 2002 صدامات عنيفة مع الجيش الإسرائيلي، وخلّفت على ملامح الزبيدي علامات سيبقى يحملها معه في الأعوام التالية. بعد أن بات الإعلام الإسرائيلي يلقب الزبيدي بـ”الحاكم الفعلي لجنين”.

وقد استمر ذلك حتى وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، حين أعلن الرئيس محمود عباس، حل كتائب “شهداء الأقصى”. فبات الزبيدي عاطلا عن العمل.

الاستثمار في صورة فلسطيني الداخل يبقى مادة شهية للإعلام الغربي، وحتى داخل إسرائيل، ومن هذا الباب حاول الفيلم الوثائقي “أولاد إيرنا” نسبة إلى الناشطة الإسرائيلية إيرنا مير خميس التي جمعت أطفالا من جنين في مسرحيات أعدتها ونفذتها على سطح منزل الزبيدي، تقديم الزبيدي كمناضل، وكذلك فعلت صحيفة صنداي تايمز البريطانية، التي أجرت مع الزبيدي حوارا في العام 2006 برّر فيه نشاطه العسكري إلى شعوره باليتم بعد رحيل أفراد أسرته.

جاذبية الزبيدي تتجاوز الفلسطينيين إلى الإسرائيليين أنفسهم، كما في حالة الإسرائيلية تاليا فهيمة التي تعتقد السلطات الإسرائيلية أنها كانت على علاقة حميمة مع الزبيدي، ولذلك تم اعتقالها في العام 2004 وأمضت ثلاث سنوات في السجن بتهمة مساعدة منظمة إرهابية. لكن المفاجأة كانت أن هذه السيدة تحديدا وبعد سنوات، ستخرج في مقابلة مع القناة العاشرة الإسرائيلية لتتهم الزبيدي بالتعاون مع جهاز الشاباك الإسرائيلي.

التنين في المصيدة

وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وإعلان الرئيس محمود عباس حل كتائب "شهداء الأقصى"، جعلا من الزبيدي عاطلا عن العمل

صدر عفو عام عن معتقلي حركة فتح في العام 2007 وشُمل الزبيدي به، فخرج من السجن لينضم إلى “مسرح الحرية”، الذي أسسه جوليانو، ابن إيرنا مير خميس، وكان الهدف المعلن هو كما قال الزبيدي “نقل القضية الفلسطينية إلى الشعب من خلال المسرح”.

غير أن إسرائيل عادت وشطبت العفو الذي منحته للزبيدي، واعتقلته من جديد، بعد إطلاق نار أمام منزل محافظ جنين. وأفرجت عنه بعد أشهر نفّذ خلالها إضرابا عن الطعام. وانصرف إلى العمل في مؤسسات السلطة الفلسطينية، ودرس العلوم السياسية في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية. وبدا أنه قد تغيّر وألقى السلاح.

في العام 2019 ألقى الإسرائيليون القبض على الزبيدي مجددا، بتهمة إطلاق النار على حافلات إسرائيلية في الضفة الغربية، والتخطيط لهجمات كانت ستنفذ، وتم زجّه في سجن جلبوع قرب جنين. ووصفه يتسحاق إيلان الضابط السابق في “الشاباك” أنه “قط شوارع، لطالما حاولنا الإمساك به، لكنه أفلت من أيدينا، والآن أعيد اعتقاله لانخراطه مرة أخرى في أنشطة إرهابية”.

في زنزانته في جلبوع، كان شريكا لخمسة سجناء ينتمون إلى حركة الجهاد الإسلامي التي أسسها رمضان شلّح والتي أعلنت انضمامها إلى المحور الإيراني، وشاركت في القتال إلى جانب الميليشيات الإيرانية في سوريا دعما لنظام بشار الأسد.

ثلاث سنوات قضاها الزبيدي قبل أن يخطط للهرب، ولا يعرف أحد كم تغيّر خلالها فكريا، وكأنه كان يعبر نفقا آخر غير الذي سيحفره مع رفاقه إلى الخارج.

أيام قليلة وستعلن إسرائيل

تحولات الفلسطيني من الثقافة والفنون إلى ظلال سليماني
مسار درامي بنهاية غير سعيدة

إلقاء القبض على الزبيدي، إلى جانب الناشط في حركة “الجهاد الإسلامي” محمد العارضة، بعد أن رصدهما الجيش في منطقة في الشمال، وكانت الشرطة الإسرائيلية أعلنت، قبل ذلك أنها عثرت على أول اثنين من الأسرى الفارين وهما يعقوب قادري، ومحمود عارضة.

في أطروحته للماجستير بجامعة بيرزيت، يلقب الزبيدي نفسه بـ“التنين” الذي يهزم “الصياد”، ويقول عمه جمال الزبيدي، إنه “شب على مقاومة الاحتلال، لا يعرف القيود، واجه الآليات الإسرائيلية بالحجارة، ثم بالسلاح، قاد كتائب الأقصى، ونفذ عمليات بطولية”.

سبق وأن أصيب بالرصاص الإسرائيلي في عمر 13 عاما، عندما ألقى الحجارة على الجنود الإسرائيليين، وجرى اعتقاله أول مرة بعد عامين من ذلك التاريخ، بتهمة إلقاء قنابل حارقة على الجيش الإسرائيلي وتم الحكم عليه بأربع سنوات ونصف السنة سجنا. لتبدأ مغامرته مع محاولات الاغتيال التي نجا من أربع منها، أبرزها كان في العام 2004، حين قتلت إسرائيل 5 فلسطينيين بعد استهداف مركبة كان يُعتقد أن الزبيدي فيها.

وربما تعكس أطروحته للماجستير درجة التحوّل في فكر الزبيدي، الذي بات يستشهد بهجرة النبي من مكة إلى المدينة مسقطا إياها على القضية الفلسطينية.

Thumbnail
13