زكي سلام نحات "العائلة" السورية الصامدة في وجه الموت

الأربعاء 2014/03/26
تمثال "العائلة" القائم في حديقة "المنشية" بدمشق

دمشق - زكي سلام نحات فلسطيني ــــ سوري، من مواليد دمشق سنة 1958،عضو اتحاد الفنانين التشكيليين في دمشق واتحاد الفنانين الفلسطينيين في سوريا، أسلوبه متفرد، عشقه هو البرونز بالإضافة إلى عمله مع الخشب والطين والرخام، شارك في عدد من المعارض بسوريا وحول العالم، كان مقيما في دمشق -مخيم اليرموك- وحاليا في الجزائر، كان لجريدة “العرب” اللقاء التالي معه:

لحيته الكثة ويداه الخشنتان لا تخفيان على من يعرف الفنان زكي سلام، منحوتته “العائلة”، القائمة في دمشق بحديقة “المنشية”، التي تحوم حولها تفاصيل الحياة اليومية حيث تحكم السوريين، وهي واقفة بصمت في عناق أبدي بين أفراد العائلة، الصامدة في وجه تقاسيم الموت العشوائي والرصاص.


دهشة الابتكار


تنقل الفنان زكي سلام بين عدد من البلدان، وبسبب خصوصية أنه فلسطيني يجيب سلام عن معضلة انتمائه «أولا أنتمي إلى إنسانيتي، وفي رسالة أرسلتها إلى صديق من الأدباء “عشت في سوريا التي ولدت في ريفها قبل أكثر من نصف قرن، أعتبر نفسي فلسطينيا وبعد مغادرة المخيم في نكبتنا الجديدة وفي الجزائر التي احتضنتنا أجد نفسي سوريا”، والفن في يقيني ليس حيزا للانتماء إنما وسيلة تعبير تصل إلى حدّ طريقة عيش».

سألناه عن صعوبة العمل في النحت، والثمن المستعد أن يدفعه مقابل منحوتة، الثمن الذي قد يكون حياته، يجيب: “لا تحسب عملية إنتاج الفن في ميزان الخسارة والربح، إنما هي رسالة تعبر عن ذات مبدعها، وطريقة لرؤية الحياة وأسلوب حياة أيضا، أما الموت فهو حالة قدرية ليست مرتبطة بالمهنة التي يمتهنها الإنسان”.

ما تنتجه الإنسانية عبر التاريخ الطويل من الحضارة للثقافة تقتله الحرب في زمن قصير

هناك لحظة يلتقطها سلام، يحاول نقلها في تماثيله حيث يرى أن: “الأعمال بمجملها تجارب شكلانية تحمل تعبيرا يلتقط واحدة من أزمنة يتكثف فيها التعبير إلى ما يشبهني”.. وللأنثى حضور في أعماله -سواء مجازا أو تشكيلا- ويجيب عن الأنثى التي يبحث عنها بأنها: “امرأة من بلدي تعيش ببطولة لا تنكسر تنتظر رجلها الغائب (أب، زوج، حبيب، ابن..) تواجه الاحتلال بصلابة كما الرجال وتواجه الحياة مفتقدة سندها الرجل الغائب (شهيد، سجين..) في مجتمع ذكوري. وتقوم بدور المرأة ودور الرجل الغائب، إنها امرأة المواجهة والحياة والانتظار”.

أما الرجل الشهيد، اللاجئ، المقاتل. فيعقب “الشهيد إنسان أكبر بالشكل (بمفهوم طفولي) من باقي الناس، لا ينتمي إلى جنس، ربما رجل وربما امرأة يحمله شعبه من جميع الشرائح، يحضر الموكب بعض الحيوانات الأليفة (حيوانات المكان تصطف في الصراع مع أصحاب المكان الأصليين)، يحمل في يده حجرا (ينتمي إلى انتفاضة الحجارة) يغطيه (مسبل) ينسدل على باقي المشيّعين الذين هم مشروع شهادة”.

زكي سلام: الفن في يقيني ليس حيزا للانتماء، إنما وسيلة تعبير تصل إلى حد طريقة عيش


رحل مرتين


“الفن لا يعرف أيديولوجيا” وسلام رحل مرتين، كفلسطيني مرة وكسوري مرة أخرى، هل على الفن أن يكون محمّلا بخطاب سياسي ما، أم أن يحافظ على طهرانيته ويخدم رؤية الفنان للكون وعناصره، يعقب: “أجد أن الفن يجب أن يكون أداة تعبير عن مُنتجه فإذا تبع الأيديولوجيا قتلته بخطابها، وإذا جلس في برجه العاجي ذهب إلى الشكلانية أو الحرفية، هو رسالة تعبر عن منتجها ورؤيته وتاريخه وثقافته وتراكم تجربته في أبحاث الشكل والمضمون والحرفة، ومما لا شك فيه أن وجودي داخل مركز دائرة الصراع العربي الإسرائيلي ترك أثرا أساسيا على حياتي، ولدت معه وربما يرحل معي وبهذا ومن الجانب الوجداني، ذهبت أعمالي بمعظمها في التعبير عن جوانب هذا الصراع وإفرازاته على الإنسان من حولي”.

يصف زكي سلام الحركة التشكيلية في سوريا وعلاقتها مع الحدث ومع الحركة التشكيلية الفلسطينية وعن الخصائص المحددة لهما ويقول: “ما تنتجه الإنسانية عبر التاريخ الطويل من الحضارة للثقافة تقتله الحرب في زمن قصير”.

مضيفا: “سوف يبقى بعض الفنانين مغمضين أعينهم ويسيرون كما في السابق، وينفعل البعض للتعبير السريع عن الحالة، وفي كلتا الحالتين ليست هذه صيرورة طبيعية لحركة تشكيلية يتوقع منها أن تكون على مستوى الحدث، وبطبيعة الحال لا بدّ من تراكم معرفي لما حدث وربط ذلك بنوع من الوعي لدور الفن من الفنان أولا ومن المجتمع والمؤسسة ثانيا”.

كفنان فلسطيني، لسلام موقف مما يحدث في سوريا من اغتيالات واقعية ورمزية لكل شيء، الإنسان، الفن، الفكرة، الكون، هل يكون السوري في ظل هذا الموت قادرا على إيصال رسالته كما فعل الفلسطيني، يجيب: “هذا العنف الذي وصلنا إليه ضدّ ذاتنا أعتبره نكبة أكبر من نكبة فلسطين، لست سياسيا ولن أدخل في تحليل الأسباب والمسببين، إلخ.. أعتقد أن الأسوأ من الحرب هو الاغتيال، وحين يطال الإنسان لن تكون حصانة لأي شيء آخر”.

خاتما بقوله: “يحزنني جداً أن يستباح متحف أو يكسر تمثال، ولكن قتل إنسان واحد أكبر من هذا بكثير، ورغم الارتفاع الكبير جدا لمستوى العنف وتنوع وسائله ماديا ومعنويا فإن الشعب السوري قادر على النهوض، فطائر العنقاء الذي ينهض من رماده أسطورة أنتجتها التجارب التاريخية الكبيرة لشعوب هذه المنطقة، والمسألة مسألة وقت قد يطول بسبب عدم وجود أفق مباشر للحل، وبسبب فقدان الوطن للعديد من الكوادر الذين يصعب استعادتهم، غير أن الأمل أكيد”.

16