زكي عثمان قاهر الزمان والمكان واليأس والجهل

الأحد 2015/03/15
عثمان أبصر خطر التطرف وكتب في مكافحته وعلاجه

في صمت رحل، عن عالمنا، مطلع شهر فبراير الماضي، تاركاً قصة كفاح تستحق أن تروى، كل فصل من فصولها، يلقي عشرات الأسئلة في عقل المطلع عليها، كيف لإنسان أن يقهر الظلام، بل ويقهر الإعاقة الحركية، كيف قهر المكان والزمان واليأس معاً، كيف استطاع وهو كفيف ومقعد أن يتقن أربع لغات، وأن يحصل على شهادتي ليسانس، ودرجة الدكتوراه، وقبل كل ذلك حفظ القرآن الكريم كاملا، وكيف مع كل معاناته القاسية احتفظ بابتسامة دائمة على وجهه لم تفارقه حتى فارقت الروح جسده؟

في الأول من فبراير عام 1953، جاء الطفل زكي محمد أحمد عثمان إلى الحياة، بقرية بسيطة بمركز أرمنت في محافظة قنا بصعيد مصر، لكن الأول من فبراير من هذا العام كان أول أيامه في الدار الآخرة، بعد رحلة حياة مليئة بالكفاح والإنتاج العلمي والدعوي، استمرت 62 عاما بالتمام والكمال.


كادوا يفرمونه في الطاحونة


والده كان عاملا بسيطا، رزق بأربعة أبناء وثلاث بنات، غير أن الحياة، لم تمهل زكي عثمان أكثر من ثلاث سنوات، لتضعه في اختبار صعب، حيث أصيب بحمى، فقد على إثرها بصره، وأصيب بشلل في نصفه الأسفل، حاول الوالدان علاجه، غير أن إمكانيات الطب المحدودة في ذلك الوقت باءت بالفشل، وأصبح من المؤكد أن ذلك الطفل سوف يقضي ما تبقى له من عمر، كفيف البصر، قعيدا لا يقوى على الحركة من مكانه.

في صعيد وريف مصر، كانت هناك أساطير وأفكار انتشرت في فترات الجهل، منها ما كان يعتقد به أهل قريته، من أن كل طاحونة (ماكينة تحويل حبوب القمح إلى دقيق لصناعة الخبز) يجب أن يراق عليها دم بشري، في بداية إنشائها، لكي تعمل باستمرار ودون تعطل في المستقبل، أحد الأقرباء قال لوالده “ماذا ستفعل بهذا الطفل الأعمى، الذي لا يتحرك، تخلص منه وألقه في الطاحونة، تستريح وتجعله هو الآخر يستريح؟”.

رفض الوالد المتدين، هذا الفكر الضال، وانتقل للعمل بالقاهرة، حاملاً على كتفه طفله الذي بلغ من العمر 5 سنوات، مصطحباً زوجته وبقية أبنائه، ليبدأ الطفل رحلة كفاحه، فقد وفرت الأسرة له شيخاً ليحفظه القرآن، هو الشيخ أحمد محمود جاد، ليفاجأ الشيخ بذكاء الطفل وقدرته على الحفظ السريع للقرآن وبالأحكام، وتمكن من إتمام حفظ القرآن وهو في سن الـ11.

في أحد أحياء القاهرة الشعبية، عاش زكي عثمان وسط الناس، متنقلا لنشر علمه الغزير، من خلال الخطابة يوم الجمعة، وعن طريق التدريس بالجامعة، وقدم خلاصة فكره للمكتبة الإسلامية عبر مؤلفاته القيمة


القرآن أهلي


ظل الطفل زكي عثمان، يفكر في عبارة قالها له شيخه الأول أحمد جاد “القرآن أهل لمن لا أهل له”، وبعد عشرات السنين من احتضان أذنيه لعبارة شيخه، كان يكررها الطفل على تلاميذه، بعد أن أصبح شيخاً وأستاذاً، مؤكداً أنه أدرك معانيها ودلالاتها جيدا.

ظل الطفل حبيس البيت والظلام، حتى بلغ من العمر 16 عاماً، وعن تلك الأيام روى قصته في تسجيل فيديو قبل رحيله قائلاً: كنت أتعلم بطريقة غير مباشرة، وأنا جالس في البيت، وأجلس إلى جوار إخوتي أستمع إليهم، وهم يستذكرون دروسهم، عرفت بالسماع أن هناك علم الجغرافيا، ومادة التربية الوطنية، فكونت رؤية حولهما، وكان الراديو صديقي، تعلمت من سماعي للبرنامج الأوروبي اللغة الإنكليزية، وتثقفت سياسيا واقتصاديا.

حاول والده إلحاقه بالتعليم الأزهري وعمره 16 عاماً، أجريت له الاختبارات، ولحفظه القرآن الكريم، تم قبوله والتحق مباشرة بالمرحلة الإعدادية بمعهد محمد كريم بمنطقة القلعة في القاهرة، وعن هذا سجل زكي ذكرياته قائلا: “حملني والدي على كتفيه، وذهب بي إلى معهد البرموني بعابدين، ودخلت الاختبار، أمام الشيخ محمد عثمان وكان كفيفا، قال حافظ يا ابني قلت إن شاء الله يا شيخ، قال أسألك، قلت اسأل وأنا أجيب، قال باين عليك لمّيض (فصيح اللسان)، ويومها أجبته وأخبرني بقبولي في ذات الجلسة”.

أسكن الوالد الطفل في شقة بالدور الرابع بعقار قريب من المعهد عام 1969، لكنه وجد صعوبة في النزول والصعود، فنقله إلى غرفة أسفل سلم العقار، وكان البواب يتولى نقله من وإلى المعهد، وأبواه يأتيان لزيارته يومياً، وعن هذه المعاناة قال “في الساعة السادسة صباحاً فوجئت بمجموعة من السيدات، دخلن عليّ الغرفة، يومها قالوا من أنت شكلك زعيم عصابة، وبكيت يومها والدمع أحيانا له فوائد يغسل العين والهموم، وعندما جاءت والدتي ورأتني على هذا الحال، قررت إعادتي إلى بيت الأسرة رأفة بي، لكنّي رفضت وصممت على مواصلة الدراسة والتعلم”.

بسرعة أثبت الطفل متحدي الظلام والإعاقة نجاحه وتميزه، فأتقن اللغة الإنكليزية وبات يتحدثها بكل طلاقة، عبر التعلم عن طريق متابعة الإذاعات الناطقة بالإنكليزية، حتى جاء يوم تقرر فيه أن يزور وزير التعليم الصومالي في ذلك الوقت المعهد الذي يدرس فيه زكي، للوقوف على مستوى التعليم بالمعاهد الأزهرية.

عن هذا الموقف قال زكي عثمان “كنت معروفا بالذكاء، فجاء مدرس من أحد الفصول يطلب من أستاذي أن يتم نقلي لفصل آخر، سيزوره الوزير الصومالي، فتقرر جمع الفصلين في حجرة واحدة، وجلست في الصف الأول وعندما دخل، قال قيام بالغة الإنكليزية، فقام الجميع إلا أنا، فنظر إليّ وسألني لماذا لم تقف؟ فأجبته بالإنكليزية ما ترجمته أنني مشلول، ولا أستطيع الوقوف، فواصل حديثه معي بالإنكليزية، وأعجب بي، وفوجئت به يضع جنيها مصريا في جيبي، وكان مبلغا كبيرا في ذلك الوقت، وتصببت عرقاً، ظناً مني أن هذا تسول، فقال لي أستاذي هذه منحة تفوّق، وأصبحت مشهورا بتفوقي بين الزملاء”.

زكي عثمان الطفل متحدي الظلام والشلل أثبت نجاحه وتميزه، فأتقن اللغة الإنكليزية وبات يتحدثها بكل طلاقة، عبر التعلم عن طريق متابعة الإذاعات الناطقة بالإنكليزية، ليلحقها بالفرنسية والألمانية مكملا مخزونه المعرفي الكبير

ظل الشاب زكي عثمان لسنوات، يذهب من المعهد وإليه ويتحمل المعاناة، ولا ينسى عندما كان وحيدا في الطريق، والمطر يهطل بغزارة، حتى جاء رجل وساعده بحمله إلى الأتوبيس، ولم يتركه إلا بعد أن أوصى السائق على ضرورة توصيله إلى منزله، لكن تركه أمام الأزهر الشريف بالحسين في وسط القاهرة، فوجدته سيدة، وحملته ووضعته في تاكسي حتى أوصلته إلى مسكنه، وعرضت عليه تعليمه القراءة بطريقة “برايل”، لكنه تهرّب منها، حتى لا يكون عبئا على أحد.

في معهد القاهرة وهو في المرحلة الثانوية، ساعده صديق على الذهاب إلى المعهد لمعرفة درجاته، فإذا بعامل في المعهد يصدمه، حيث أخبره أنه راسب، وليس له نصيب في النجاح هذا العام، لم تفلح الصدمة في كسر عزيمته، وفكر فيما أملاه على من كان يكتب له في الامتحان، وعاد لكتبه، وقال، يومها أصابني الحزن، لكن اشتعل تفكيري بحثاً عن أخطائي، وذهبت مع صديقي الشيخ عبدالحي ونمت، فإذا بي أحلم أني جالس في حديقة بها زهور وأشجار عنب، فاستيقظت ورويت لصديقي رؤيتي، فطمأنني، وإذا بي أجد نفسي ناجحا وخبر رسوبي لم يكن صحيحا، والتحقت بكلية أصول الدين.

زكي عثمان تحدّى فقدان البصر، وقهر الظلام، وهزم الجهل، ولم تمنعه الإعاقة الحركية من أن يسبق كل أقرانه، فقد التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وبات خطيباً بارعا فصيح اللسان، يتحدث أربع لغات بفصاحة، العربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية، وكانت رغبته الأولى في الالتحاق بكلية اللغات والترجمة، لكنه فضل في النهاية أصول الدين، والمعجزة أنه تعلم تلك اللغات ذاتياً، وبشكل غير مباشر من خلال سماعه للإذاعات ودون معلم أو قراءة.

ارتبط زكي عثمان بصديقه وأستاذه حسن عيسى، الذي كان يحرص على تشجيعه، ويكرر عليه القول، كلما مر بمحنة، “لا تكتئب لازم أشوفك مكاني كأستاذ جامعي”.

وبسبب حبه لأستاذه الذي شجعه كثيرا، كانت لديه رغبة في أن يلتحق بشعبة الدعوة في السنة الخامسة، لكنه التحق بشعبة التفسير، وحصل على الليسانس وعمل خطيبا بوزارة الأوقاف من العام 1980 وحتى العام 1987.

التحق بالدراسات العليا قسم الدعوة فلم يحالفه الحظ، فقرر دراسة ليسانس التفسير، ليحصل بذلك على 2 ليسانس، وفي العام 1986 حصل على الماجستير عن رسالة بعنوان “منهاج الإسلام في التنمية الاقتصادية” وعن إصراره العلمي، قال: تقدمت بـ20 فكرة بحث ورفضت ولم أستسلم حتى قبلت فكرة بحثي، وحصلت عليه بدرجة جيد جدا مع مرتبة الشرف.

حصل على الدكتوراه عن رسالة بعنوان "الدعوة الإسلامية في القرن السادس الهجري" بمرتبة الشرف الأولى وارتقى من أستاذ مساعد إلى أستاذ، ثم رئيسا لقسم الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر وأنتج أكثر من 80 مؤلفا، أثرى بها المكتبة الإسلامية


زكي عثمان وطه حسين


عبدالغفار عزيز رئيس لجنة مناقشة رسالته للماجستير، قال عنه “إذا كان طه حسين قاهر الظلام، فإن زكي عثمان قاهر الزمان والمكان”.

خلال سماعه لإذاعة القرآن الكريم ذات مرة، وكانت الإذاعة تستضيف سعدي فرهود رئيس جامعة الأزهر آنذاك، حاول الاتصال به، وكان الحظ حليفه، فروى قصته، معرباً عن رغبته في العمل بالتدريس الجامعي، مستفسراً هل إعاقته الحركية وإعاقة البصر تمنعه، فقال له فرهود، نحن لا ننظر للأجساد بل للعقول والفكر وغرس ذلك في نفسه الأمل لمواصلة الكفاح واستمرار رحلة النجاح، وانتظر أول إعلان يطلب مدرسين بجامعة الأزهر وتقدم ونجح وعيّن بالجامعة معيدا في كلية أصول الدين.

واصل رحلته حتى حصل على الدكتوراه عن رسالة بعنوان” الدعوة الإسلامية في القرن السادس الهجري”، بمرتبة الشرف الأولى، وارتقى من أستاذ مساعد إلى أستاذ، ثم رئيسا لقسم الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر، وأنتج أكثر من 80 مؤلفا، أثرى بها المكتبة الإسلامية، منها “تأصيل علم الاجتماع من منظور إسلامي”، و”الاستقامة في القرآن الكريم”، و”التنشئة الإسلامية.. الأبعاد والدلالات”، و”أسباب الإرهاب ومظاهر علاجه”، إلى جانب مئات الأبحاث ورسائل الدكتوراه التي أشرف عليها.

في أحد أحياء القاهرة الشعبية، عاش زكي عثمان وسط الناس، متنقلا لنشر علمه الغزير، من خلال الخطابة يوم الجمعة، وعن طريق التدريس بالجامعة، وقدم خلاصة فكره للمكتبة الإسلامية عبر مؤلفاته القيمة.

عندما ذهبت لتقديم واجب العزاء لأسرته، وفي شقته كان نحو عشرة من تلاميذه يجمعون آلاف الكتب، التي ضمتها مكتبة تتكون من ثلاث غرف تحوي أمهات الكتب، قال لي شقيقه خالد وشقيقته سلوى، إنه أوصى قبل وفاته أن يتم التبرع بمكتبته لجامعة الأزهر، وتلاميذه كانوا يجمعونها آنذاك، تمهيدا لنقلها إلى الجامعة.

سؤال ظل يراودني بعد خروجي من منزله، كيف عاش زكي وكيف كان يقرأ؟ وكانت الإجابة ممن اقتربوا منه، أنه كان يختار من يرغب في مرافقته من تلاميذه، وأغلبهم من بسطاء الحال، ومن القادمين من الصعيد، ويخصص لكل منهم راتبا شهريا من دخله الخاص، مقابل مصاحبته في التنقل من المنزل وإليه، وفي الطريق يقرأ أحدهم عليه فصولا من أحد الكتب، ويشرح لهم ما لا يستوعبونه.

8