زكي كورديلو مسرحي سوري خياله غاب في ظل المعتقلات

الأحد 2015/05/24
زكي كورديلو والإبداع الذي لا يكتمل من دون الجمهور

حرضت ثورة الشعب السوري العديد من مثقفيه وفنانيه على الانخراط في صفوفها، ودفعتهم إلى التخلي عن الأفكار الموسمية التي تتبدل بتبدل الفصول والمواسم الثقافية والسياسية، والثبات على المشاركة في الشأن العام والهموم المجتمعية في أبعادها الحقيقية التي تجعل من هذا المثقف والفنان مسؤولاً عن كرامة العقل والإنسان والأوطان، بعيداً عن ثقافة القطاع العام والملكية الخاصة التي تستند إلى أذرع السلطة المسيطرة، أو تلك التي تستند إلى جدران سلطة ثقافية تمزج العسف والتضليل بالمنفعة الخاصة.

ومن هؤلاء المثقفين والفنانين المسرحي زكي كورديلو الذي اعتقل في دمشق في الحادي عشر من شهر أغسطس من العام 2012 برفقة ابنه مهيار، وكانت دورية أمنية داهمت منزله في منطقة دمر الشهيرة، وقادته إلى جهة مجهولة، بعد مصادرة حاسبه الشخصي.

خيال الظل

زكي كورديلو ابن المسرح، عرف به، وسحرته خشبته، درس التمثيل وتخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية العام 1984 وعمل في مديرية المسارح والموسيقى في المسرح القومي لسنوات طويلة، قدّم خلالها أكثر من عشرين عملا مسرحيا، قبل أن يقرر الانتقال إلى مهنة الإخراج المسرحي للأعمال المخصصة للأطفال، ويعد كورديلو الوريث الشرعي لمسرح خيال الظل في سوريا، وذلك بعد وفاة آخر المخايلة عبدالرزاق الذهبي.

منذ العام 1993 أخذ كورديلو يشارك في العديد من أعمال الدراما التلفزيونية والأفلام السينمائية، ولكن اهتمامه بالمسرح قاده إلى شغل منصب مدير مسرح الحمراء العريق في دمشق، وكذلك منصب مدير مسرح الطفل في وزارة الثقافة السورية.

وكان من أهم مشاركاته في المسرح “قصة موت معلن” و”قبل أن يذوب الثلج” و”مغامرة رأس المملوك جابر” و”حكايا الجسد” وغيرها، أما أفلامه فكان أبرزها فيلم “الطحالب” مع المخرج ريمون بطرس، و”دمشق يا بسمة الحزن” مع المخرج ماهر كدو.

عرفه الجمهور العربي في المسلسلات التلفزيونية التي اشتهرت وراجت في العقدين الماضيين، مثل “شجرة النارنج” و”دموع الأصايل” و”الحور العين” و”شام شريف”.

وقد عانى زكي كورديلو من تدخل الرقابة في مديرية المسارح والموسيقى بشكل كبير حين أوقف عرضه المسرحي” ملحمة المعري”، عن تلك التجربة المسرحية قال لي زكي كورديلو يوما “الرقابة مقيدة وغير مفيدة للعمل الإبداعي الحقيقي، لأن المبدع والجمهور هما القادران على تقييم العمل المسرحي فنياً ورقابياً” وكانت لجنة المشاهدة في الرقابة، وبعد أن حضرت عرض الافتتاح الذي حضره أكثر من 500 مشاهد، سارعت وأوقفت عروض مسرحية “ملحمة المعري” في إجراء تعسفي، ترك جرحاً بالغ الأثر في روح كورديلو.

في العام 1993 يبدأ كورديلو بالمشاركة في العديد من أعمال الدراما التلفزيونية والأفلام السينمائية، ولكن اهتمامه بالمسرح يقوده إلى شغل منصب مدير مسرح الحمراء العريق في دمشق، وكذلك منصب مدير مسرح الطفل في وزارة الثقافة السورية

روح أبي العلاء المعري

عن السوداوية في نص وعرض ملحمة المعري، قال كورديلو “لا أرى في السوداوية واليأس والإحباط مشكلة، عندما نقدم شخصية إشكالية في تاريخ الأدب مثل شخصية المعري، فالمعري هو بذاته شخصية سوداوية ويائسة ومحبطة، لكنه يغلف هذا اليأس والإحباط، باحتجاج صارخ واستفزازي على كل القيم الاجتماعية والسياسية والدينية. فإذن كان واجبي كمخرج تقديم روح خالد بن الوليد أو صلاح الدين الأيوبي في شخصية المعري”.

آمن زكي كورديلو أن الفن والإبداع في المسرح تحديداً لا يكتملان إلا بالجمهور، وليس من حق أيّ شخص مهما كانت سويته الإدارية والفنية أن يصادر رأي الجمهور ويضع ذاته مكانه، فالفن تذوّق خاص وذاتي شخصي، حيث أن عرضاً مسرحياً ما ربما يعجب مشاهداً ما ولا يعجب مشاهداً آخر.

وكان يقول “نحن في سوريا للأسف إلى الآن لا نمتلك معايير فنية واضحة أو شبه واضحة، إذ نجد اختلافات كثيرة على عروض مسرحية قدمت، والبعض من الجمهور والنقاد رفعها إلى السماء، بينما انزلها البعض الآخر إلى أسفل السافلين. وفي الفن لا توجد معايير فنية ثابتة تصلح للقياس عليها”.

التجريب فلسفة للفن

عند تقديم أعماله المسرحية المعتمدة على خيال الظل وخصوصاً عرضه “القبطان كركوز” قدم زكي كورديلو ثلاثة مستويات بصرية على منصة مسرح القباني في دمشق، الأول هو شاشة خيال الظل التي خلفها كركوز وعيواظ على طرفي الشاشة، كدميتين فيهما الظرافة والكياسة واللعب بالألفاظ والكلمات حتى خروجهما من خلف الشاشة إلى المنصة المسرحية، فمن دميتين إلى شخصيتين بالحجم البشري لكنهما بقيتا تعانيان من حركات “الماريونيت” في الهيئة البشرية، مع الحفاظ على فيزياء غريبة للعب خرجت من يد محركها من خلف الشاشة، نحو التحريك البشري في سحر الأداء الإنساني وتحقيق حركات الدمى بطابع بشري إنساني.

المستوى الثاني في عروض كورديلو كان من خلال الاشتباك الذي حققه عبر لوحات الكاريكاتير للفنان العالمي علي فرزات التي تم عرضها مع تضخيم في البشاعة لأشكال الشخصيات الخارجة عن المألوف الإنساني في إدارة البلاد حسب أهوائهم ورغباتهم الشخصية.

أما المستوى الثالث فكان في لوحات موجودة في عمق الشاشة، وضعت المشاهد أمام مخايلة جديدة تعتمد اللغة الساخرة مع رسوم الكاريكاتير المعبرة، في استعارة من جنس الحرفة القديمة للتشخيص والمزاوجة بينها والفكاهات المريرة لفن الكاريكاتير.

عند تقديم أعماله المسرحية المعتمدة على خيال الظل وفي عرضه "القبطان كركوز" قدم زكي كورديلو شخصيتي كركوز وعيواظ على طرفي الشاشة، كدميتين فيهما الظرافة والكياسة واللعب بالألفاظ لتليهما شخصيتان بالحجم البشري بقيتا تعانيان من حركات "الماريونيت"

فساد وديمقراطية

يتجلى موقفه من الفساد في ذات المسرحية عندما يختار المدير العام الذي سيختار طاقم السفينة، حيث تحيط بالمدير لوحتان على يمين المنصة المسرحية ويسارها الأولى تحدد الأشخاص القادرين على فرض موظفين على السفينة وهم “أبو نسوان”، “أبو فجعان”، “أبو ضربان”، “أبو فلان”، و”أبو علتان”، وعلى الجهة الأخرى أسعار الوظائف التي يتوجب دفعها من الموظفين في السفينة، لكن السعر يتحدد بـ”الغيغابايت” وليس بالعملات كنوع من السخرية والتورية، في مسابقة اختيار موظفي السفينة، في حين يتم رفض قبطان متخرج من الكلية البحرية في بريطانيا رغم ما لديه من شهادة خبرة من شركات ملاحة كبيرة في العالم.

أما الديمقراطية فيفصح عنها عرض ”القبطان كركوز” الذي قدمه زكي كورديلو في مشهد بالغ الأهمية، حين يقول عيواظ “تعيش الديمقراطية” فيرد عليه كراكوز “ولك الديمقراطية لم تعطس، أنا الذي عطست”، فيقول عيواظ “تعيش الديمقراطية، وأنت أيضاً أصرخ مثلي يا كراكوز”، يصرخ كراكوز “تعيش الديمقراطية” ويبدأ الاثنان معاً بترديد هتاف “تعيش الديمقراطية”.

لكن كورديلو هنا، يسخر من الديمقراطية المحلية في انتقاء قبطان للسفينة، حيث تدور معركة أساسها الإنسان المناسب في المكان غير المناسب، فالشخصية الأساسية (القبطان) لا تتقن قيادة السفينة في البحر، وكل من سيكون على سفينة الديمقراطية لا يجيد عمله.

السخرية في أقصاها سيقدمها كورديلو عبر نص عزيز نيسن عن الديمقراطية المستجلبة من الخارج، فسفينة الديمقراطية الخارجية تقدم بشروط كل آلياتها وسبل استمرارها مربوطة بالخارج، عبر شراء كل المواد التي تحتاجها من الدولة التي تقدم المساعدات، والديمقراطية مربوطة بالدول المانحة لهذه المساعدات، ومفصّلة حيث تتناسب ودول المنشأ، لا دول الاستخدام والاستهلاك، لذلك نجد الأميرال الذي يسلم السفينة إلى طاقمها يشترط عليهم استيراد كل ما تحتاجه السفينة من دولة ماستاريكو، بالإضافة إلى أن سفينة الديمقراطية التي تقدم وفق قوانين المساعدات، سفينة هرمة غير قادرة على الإبحار و الوصول في بحر متلاطم الأمواج، لتكون النتيجة ضياع سفينة الديمقراطية و طاقمها.

نبوءات مبكرة

إن اختيار كورديلو لنص عزيز نيسن “القبطان كركروز” الذي يعالج قضية الديمقراطية في صيف العام 2008 يوضح موقفه من الديمقراطية المستجلبة والمحلية التي كانت تعيشها سوريا، ويسلط الضوء على عنجهية الفهم الاستعماري في استيراد مفهوم الديمقراطية، وينتهي العرض بضياع السفينة في المحيط، ويهرب طاقمها بينما يظهر الشاب (الذي أدى دوره ابنه المعتقل مهيار كورديلو) وينظر إلى السفينة المحطمة، مع صوت مياه البحر، في رسالة تبعث الأمل بالمستقبل من خلال الشباب.

قدم زكي كورديلو عروضاً عديدة للأطفال من خلال شخصيتي “كركوز وعيواظ”، وشخصيات أخرى، وفي تلك العروض سعى لتقديم المعرفة والمتعة كما في مسرحية “أحلام مائية” وسعى من خلال عمله ودراسته لتقديم الفائدة والمتعة والموقف الملتزم بقضايا شعبه في الحرية والكرامة الاجتماعية والإنسانية، وإن تغييبه ومن معه سنوات طويلة في السجون لا يخدم قضية الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي كانت من أهم القضايا التي آمن بها.

9