"زلة أخرى للحكمة": جماليات الحس التاريخي والحب الهارب

الأربعاء 2013/08/14
جريس سماوي: شعرية تنهل من الاسطورة والتاريخ

قليلة هي المجموعات الشعرية الجميلة التي تستوقف القارئ والناقد برهافتها وطقوسها الفنية المترعة بالدلالات والإيحاءات في هذه السنوات الأخيرة بداخل مشهد حركة الشعر العربي المعاصر حتى كاد الشعر في الساحة العربية أن يغرق في امتهان التجريب اللغوي النثري الشكلي وأن ينزوي في طي النسيــان.

وأنــا أقرأ مجموعــة الشاعر الأردني جريس سماوي أحسست بالسعــادة والغبطة لأن هذا الشاعر يكتنز لغة شعريـة طازجـة وأن شغله على بناء الصورة بواسطة المخيلة التي تخلق وتولد العلاقات الغرائبية بين الكلمات على نحو يرفع أحيانا لغة كثير من المقاطع من اللغة الطبيعية إلى ذرى الدهشة والمفاجأة ملفت للنظر.

تحتوي مجموعة "زلة أخرى للحكمة" للشاعر جريس سماوي على خمس محطات كبرى وهي 1- اشتعالات، 2- باب الماء، 3- مدارات أولى، 4- الخيانات والوعد و5- فضاءات أخرى، وتتفرع كل محطة من هذه المحطات إلى سلسلة من القصائد التي يبلغ عددها الإجمالي 32 قصيدة ومقطوعة.

إن الانطباع الأول الذي ترسمه القراءة هي أن قصائد هذه المجموعة تتأسس في الأغلب على غنائية تلفها درامية جارحة تنبع من توزيع التفعيلات المتواشجة مع التجربة النفسية والوجودية وليس من التجريب الموسيقي المحض.

من الواضح أيضا أن عصب التجربة الشعرية في قصائد الشاعر سماوي يكمن في ثيمتين اثنتين تتمثل الثيمة الأولى في حب المرأة المستحيلة، أما الثيمة الثانية فنعثر عليها في التأمل والحس الديني والتاريخي ولوعة فقدان الجذور الأولى واستعادة تاريخ الصراع مع جيوش روما.

أبدأ بمعاينة الثيمة الأولى: في أغلب قصائد مجموعة "زلة أخرى للحكمة" تطفح إلى السطح تجربة الرحيل الدائم إلى المرأة التي تلمع حينا وتختفي أحيانا كثيرة ولا تخلف وراءها سوى الفقدان واللوعة والمزيد من الترحال خلف بروقها حتى كادت أن تتحول إلى: "عذراء دامعة كخطيئة الشعر".

إن هذه المرأة المنزلقة دائما تشعل الحجارة لأنها من النار والضوء، وهي تحلق: "بجناحين من ألق الضوء مرَت"، وأنها "ألقت على تعب الروح أغنية"، وأرخت على حيرة الروح السؤال"، وخلَفت عاشقها "رمادا ومضت".

إن هذه المرأة الغرائبية الممعنة في الإغواء مثل السراب قد "تركت الربابة عند سرير الحكايات في الحقل سادرة في الأنين" وأنها "حملت بتيه وردة في راحتيها وتلمست أوراقها الحرَى برأس إصبعيها"، وأنها "وتفتح، مزهوَة، قمقم الغيب، يحني الدخان النبيل مسراته الراجعات" و"لكأنها امرأة تلامس شهوة أخرى".

إن هذا الحب المستحيل يقودنا إلى رصد الثيمة الثانية في مجموعة "زلة أخرى للحكمة" التي يبدو أنها الدافع إلى البحث عن حب أخر بعيدا عن الجسد الدنيوي. في قصيدة "العناصر" نلتقي صوتا ليس هو بالضرورة صوت الشاعر بل هو قناع يتكلم من خلفه وينادي في البرية:

"أعدني إلى الله

أعدني إلى روحه البكر روحا ترف

أعدني إلى وجهه الأولي جناحا يثير السديم ونجما يشف

ودعني بعكازة الرب أسعى

أعدني إلى أول الكون".

غنائية تلفها درامة جارحة

في هذه القصيدة يبدو أثر لغة الإنجيل واضحا من حيث صياغة بنية المقاطع لغويا وتوليدا للصور والتجربة الدينية القريبة من نزعة التصوف الروحي، أما قصيدة الصديق فتعزف على وتر الحساسية الدينية أيضا:

"هاجمتني الخيول الخرافية..

اقتادني التيه في غيّه المرتمي في فراغ يتيم

شدني من شعري بوحي، وسد فمي، ورمى كتبي في غموض السديم".

ويتضح هذا بجلاء في هذا المقطع الذي يستعيد تاريخ النساطرة:

"عندما جاءني صاحبي من نعاس بعيد

هدهد الروح إذ فاجأتها ارتباكات أحلامها، باح بالسر لي

ما بكى إذ رأى جثتي

قلت يا صاحبي وأبي: إنني من بقايا الناسطرة التائهين، خانني أسقفي ورعاتي ومدى الأبرشية ضاقت به ملتي..".

إن الخيول المهاجمة هنا هي كناية عن زحف جيوش الرومان وتحطيمها لميراث النساطرة: "إن روما التي سرقت حنطة الروح من كل أهرائنا لم تزل تستبيح الذرى، هل ترى يا أبي، هل ترى"؟

إن هذه الأصداء التاريخية الممزوجة بالموروث الديني في مجموعة "زلة أخرى للحكمة" تعكس بطريقة الإيحاء الشعري كدمات الاستعمار الروماني القديم التي لا تزال مطبوعة على الهوية التاريخية وعلى هوية الفرد الحامل لهذا التاريخ بكل جراحه وفجائعه.
14