زلة لسان

هل يمكن أن يحترم الكاتب نفسه، ويترك المساحة بيضاء كي لا يلوث عقل القارئ بأي هراء.. بدلاً من أن "يلطخ" يد نفس القارئ بحبر كلمات لا قيمة لها.
الأربعاء 2018/06/27
نافذة "بياض" وحيدة وسط سواد الكلمات

في اجتماع التحرير بالصحيفة، جلس رئيس التحرير يستمع لمقترحات من كنت “أصغرهم” بشأن تطوير بعض الصفحات، وكعادتي كنت أنتظر دوري في الحديث، احتراما لمقام السن والخبرة ظاهريا وإن كانت الحقيقة “الخبيثة” وقتها أني أنتظر حتى يُفرغ الجميع ما في جعبتهم، لأطرح ربما ما يخالفهم تماما، أحيانا كنوعٍ من “المزاج العكر” الذي يتم تبنيه لاحقا.

ولأن رئيس التحرير، كان طيباً جداً -في الظاهر أيضاً- فيبدو أنه “قفشني”، هذه المرّة، بعد أن أنهى كلامه مباشرة؛ طلب مني الحديث بابتسامة -أكثر خبثاً- فأسقط في يدي وأصبحتُ مثل حال “البلبول في شهر أيلول”، وبعد أن همهمتُ ببضع كلمات إنشائية غير مفهومة، اقترحت تزويد صفحة بريد القرّاء، بمقال من أحد كتاب الصحيفة -وبالطبع كانوا يرفضون باعتبارها صفحة وضيعة (!!) لا تناسب مقامهم- يكون نموذجاً مبدئياً يتعلم منه القارئ كيف يكتب مقالاً بشكل غير مباشر، يمكن بعد ذلك تطويره وتنميته وتبنيه كموهبة جديدة.

وبين رفض الأغلبية وإصراري كانت المفاجأة.. قرّر رئيس التحرير تكليفي أنا بكتابة المقال وتسليمه له شخصياً، وأمام ورطتي لأني لم أتعود الالتزام بمقال، إضافة إلى عدم خبرتي، كانت حجته “الخبيثة أيضاً” أن صاحب الاقتراح هو الأجدر بالبدء في تنفيذه.

خرجنا من الاجتماع، وبينما البعض يهنئني ساخراً أو شامتاً، كان عليّ أن أضرب رأسي في الجدار، لأن أمامي أقل من ساعة لكتابة المقال وتسليمه، لأول مرة أشعر بالمسؤولية والرعب، ولم يكن السؤال: ماذا أكتب؟ بقدر ما كان هناك ما هو أكثر.. ما الذي سحبني من لساني لأقترح فأورّط نفسي؟

كتبت مقالاً “هروبيا” تساءلت فيه عما إذا لم تكن لدى الكاتب فكرة جيدة تستحق القراءة، فهل يمكن أن يحترم نفسه، ويترك المساحة بيضاء كي لا يلوث عقل القارئ بأي هراء ويصارحه بشجاعة: أن لا شيء لديه، بدلاً من أن “يلطخ” يد نفس القارئ بحبر كلمات لا قيمة لها، أو على الأقل تمثل مساحته الصغيرة نافذة “بياض” وحيدة وسط سواد الكلمات والأخبار والصور.

وبينما اختتمت المقال بالقول، إنه عندي من الشجاعة ما يجعلني أفعل ذلك، تساءلت إن كان رئيس التحرير لديه من الشجاعة أيضاً أن يوافق على ترك المساحة بيضاء تماماً، وهرعت على الفور لتسليمه وأنا أراهن بل متأكد من عدم نشره، وبالتالي “توريط” زميل آخر.. كانت المفاجأة: أعجب رئيس التحرير جداً ووافق على نشره فوراً. ليس هذا فقط، بل توريطي بكتابته باستمرار.. ويكون حالي نفس المثل الشعبي.. “بالقبقاب يا شجرة الدر”.

24