زلزال إسطنبول.. تفسيرات الإسلاميين وتعطل التحديث

تركيا تواصل الاعتماد على التفسير الديني في تشخيص الظواهر الطبيعية على حساب الرؤى العلمية.
الثلاثاء 2019/10/08
الزلزال في إسطنبول الحديثة والتفسير أشعري

تركن الجماعات الإسلامية، عادة، في تفسيرها لكل الظواهر، إلى تفسيرات دينية، حتى في التعامل مع وضعيات لا تتطلب العودة إلى الآراء الإسلامية. وهو ما يمثل ظاهرة فكرية، فضلا عن كونها تحيل إلى كسل معرفي وفكري كبير، تحول حتما دون مباشرة أي عملية تحديث للمجتمع أو للاقتصاد أو للدولة. ظاهرة يمكن تلمسها بجلاء في الميل التركي الواسع في تفسير الزلزال الأخير إلى الاعتماد على منطلقات دينية، وإبعاد المعرفة العلمية الحديثة. وفي عمق هذه السيطرة الدينية يمكن تبين أن الكفة ما تزال مائلة لصالح التفسيرات الدينية على حساب الرؤى العلمية.

  النقاش العام بعد زلزال بلغت قوته 5.8 درجة في إسطنبول منحنا لمحة عن كيفية استجابة قطاعات مختلفة من المجتمع التركي للأحداث الطبيعية الكبرى. فعلى عكس تكريس العلمانيين للفلسفة الوضعية، اقترحت الجماعات الإسلامية مرة أخرى أن تفسر مثل هذه الأحداث الطبيعية على أنها قضاء وقدر.

في الحقيقة، كيف يساعدنا الحديث الإسلامي عن الأحداث الطبيعية، مثل الزلزال الأخير، في اكتشاف كيف وُضع مسار الفكر الإسلامي التركي بشأن الطبيعة ضمن اللاهوت الإسلامي.فقد تمت صياغة الآراء الإسلامية المتعلقة بالطبيعة في الأصل في القرن التاسع، لكنها انتقلت إلى العقيدة الإسلامية التي تتم ممارستها اليوم بعد قرون من الانتقال الطويل عبر التنشئة الاجتماعية الدينية.

في الإسلام السني، النموذج السائد عن الطبيعة هو المذهب الأشعري، الذي أُعطى شكله الأخير على أيدي أبوحامد الغزالي، عالم اللاهوت الفارسي والصوفي في القرن الحادي عشر ميلادي. ومن هذا المنظور، لا توجد قوانين طبيعية، فكل شيء في الطبيعة خلقه الله وصانه. ما نعتبره قانون الطبيعة ما هو إلا مجرد وهم.

قانون الطبيعة يهدم كل التفسيرات
قانون الطبيعة يهدم كل التفسيرات 

في المثال المقتبس دائماً عن حرق القطن، كتب الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة” قائلاً إن الله هو الذي يُحدث الحرق في كل مرة يتلامس فيها القطن مع النيران، وليست قوانين الطبيعة. فالنسبة للغزالي، الله وراء كل الأحداث في الطبيعة.بعبارة أخرى، يرى الأشاعرة أن الشهادة في الإسلام “لا إله إلا الله” تعني “لا خالق إلا الله”.

وتعترف وجهات نظر أخرى في الإسلام بقوانين الطبيعة. فعلى سبيل المثال يعارض ابن رشد تعريف أن الله هو صانع أحداث الطبيعة. فالطبيعة من دون قوانين ستكون مكاناً اعتباطياً بالنسبة لابن رشد، الأمر الذي يتناقض مع سمات الله من الحكمة والعدالة.وفي نقده للغزالي، في كتاب “تهافت التهافت”، كتب ابن رشد قائلاً إن إنكار قوانين الطبيعة يتطلب فكرة طاغية عن الإله.

بالنسبة إلى ابن رشد، فإن آراء الغزالي تجعل الله “هو الفاعل لقاعدة الوجود مثل أمير طاغية يتمتع بأعلى سلطة، ولا يمكن لأحد في سلطته أن ينوب عنه، ولا يُعرف أي معيار أو عادة يمكن الإشارة إليه”.ومع ذلك، وبفضل الدعم السياسي في الغالب، كانت نظرة الأشاعرة للطبيعة تظهر باعتبارها النظرة الإسلامية السائدة في العالم الإسلامي.اليوم، الإسلام كما يتم تدريسه ونقله في تركيا يتماشى في الغالب مع المنظور الأشعري- أو لدى الغزالي- الذي يعطي مساحة صغيرة للإرادة الحرة وقوانين الطبيعة.إن ولاء الأتراك لرؤية الأشعري – الغزالي بشأن الطبيعة أمر مثير للاهتمام بشكل خاص بالنظر إلى أنهم معروفون شكلياً بأنهم أتباع أبومنصور الماتريدي، الذي تقترب أفكاره من أفكار ابن رشد.

النقاش العام حول الزلزال يكشف عن التوترات الداخلية للتحديث التركي، ليس فقط فيما يتعلق بالديمقراطية أو سيادة القانون بل أيضا فيما يتعلق بالعلاقات بين العلم والدين

ومع ذلك، أدى نظام المدارس خلال فترتي السلاجقة والعثمانيين إلى تعطيل عناصر الماتريدي (المَاتُريدِيَّةُ نسبة إلى إمامها ومؤسسها أبي منصور الماتريدي) في الإسلام التركي، مما جعله أقرب إلى المذهب الأشعري. يميل الأشاعرة إلى تقديم رؤية أكثر وداً للسلطة السياسية، وهذا هو السبب الرئيس لدعم السلاجقة والعثمانيين للأشاعرة.

توضح مديرية الشؤون الدينية في تركيا هذا في تعريف الله الوارد في “موسوعة الإسلام” وهو “القوة السامية التي خلقت الكون والذي يعرف ويحكم الكون”. وفقاً لذلك، فإن الله لم يخلق الكون فحسب، بل يواصل
مراقبته.وعندما نتابع المناقشات التي دارت حول زلزال إسطنبول الأخير، فسنجد أن وجهة نظر الأشاعرة تشكل الفهم التركي الواسع النطاق للطبيعة. عند الاستماع إلى تلك المناقشات، نلاحظ أن قانون الطبيعة غالباً ما يتم تقديمه كما لو كان وهمياً، مما يُبعد البشر عن فهم علاقات القوة الحقيقية في الكون.

تُعلّم هذه الرواية إما رفض الإيمان بالسببية، أو الإبقاء على شكوك شديدة حيال ذلك. الله ليس الخالق فحسب، بل هو أيضاً وراء كل الأحداث في الطبيعة. يساهم هذا التفكير في اتخاذ موقف متشكك للغاية إزاء المعرفة العلمية الحديثة. وبالتالي، يُنصح الأتراك بالتوجه مباشرة إلى الله، الذي هو وراء السبب الحقيقي.على هذا الأساس، يكشف النقاش العام حول الزلزال عن طريقة التوترات الداخلية للتحديث التركي التي لا تزال قائمة، ليس فقط فيما يتعلق بمشاكل الديمقراطية أو سيادة القانون ولكن أيضاً فيما يتعلق بالعلاقات بين العلم والدين.

12