زليخة أبو ريشة تثير عاصفة من النقاش حول مدنية الدولة

السبت 2016/07/09
تنويرية أردنية تحت نيران الظلاميين وتأييد خافت من المثقفين

عمّان- يتحصّن الرأي المحافظ في مجتمعاتنا بقداسة يُلبسها لكلّ ما يمتّ لمعتقداته بصلة، وفي ذلك مصادرة مسبقة للرأي الآخر، والحجْر على العقل والتفسير المختلفين معه. في حالة من إنكار كامل للآخر ومنع أيّ محاولة للتفكير والتفسير والاجتهاد، ضمن ادعاء كامل بامتلاك الحقيقة ونفي كامل للرأي الآخر.

في هذا الإطار تنشب على الساحة الأردنية معركة تَلبس اللبوس الفكري، بينما هي سياسية بامتياز. تفرضها المرحلة، بوصفها مرحلة جدال سياسي وعصف يأذنان ببدء معركة انتخابية كان قد أخّر اشتعالها انشغال المجتمع بالشهر الفضيل. فكانت هذه السجالات مجرد عملية تسخين، لكنها تملك من القوة ما يجعلها تضبط اتجاهات وسياقات العملية السياسية المقبلة برمتها.

الديمقراطية هي الحل

الكاتبة والشاعرة الأكاديمية زليخة أبو ريشة أشعلت الحلقة الأخيرة في هذه المساجلات، بمقالة بعنوان “غسل أدمغة” كتبتها في جريدة الغد اليومية، انتقدت من خلالها المناهج والتعليم، والتربية الدينية عمومًا، ما أشعل مواقع التواصل الاجتماعي، وأشعل حربا ضروسا امتدت أفقيا وعموديا لتقسيم الشارع الأردني بين مؤيد ومعارض لهذا الطرح. في حوارات أجرتها معها صحف محلية قالت أبو ريشة “اتُّهمت بأنني أهاجم الإسلام. ولا أدري ما إذا كانت المراكز القرآنية أو كليات الشريعة أو منابر الإسلاميين هي الإسلام. هي تفسير ما، أو موقف ما من الإسلام، أو فهم خاص للإسلام، ومن المؤكد أنها ليست الإسلام”.

بدأت النقاشات حول موضوع البطاقة الشخصية الجديدة، التي أصدرتها دائرة الأحوال المدنية لتتواءم مع العصر بخصائص إلكترونية تواكب الحاجات والاستخدامات العصرية، أثير حول هذه البطاقة الكثير من اللغط السياسي والاجتماعي، كان أوله بأنها تخلو من خانة تُشير إلى الديانة، ولاحقا أثير أنها تخلو أيضا من اسم العشيرة، ما أثار الكثير من الاستفسارات والاحتجاجات الاجتماعية التي تطلّبت صدور نفي رسمي لإلغاء اسم العشيرة من بطاقة الأحوال المدنية الجديدة، من دون الإشارة إلى خانة الديانة.

البطاقة الشخصية الأردنية الجديدة هي السبب الرئيسي في فتح السجالات الحادة في هذه الفترة بالبلاد، فقد أثير حولها الكثير من اللغط السياسي والاجتماعي، كان أوله بأنها تخلو من خانة تشير إلى الديانة، ولاحقا أثير أنها تخلو أيضا من اسم العشيرة

ليس من السهل على الأجهزة التنفيذية في الدولة فتح أكثر من معركة في آن واحد، فتم تأجيل موضوع العشيرة، وإرسال تطمينات بأن الديانة مضمنة في الهُوية لكن ليس بشكل ظاهر، فمن مميزات هذه البطاقة أنها تحتوي الكثير من المعلومات، ولم تعد صفحة مفتوحة لأنها صُممت أصلا لتُقرأ إلكترونيا لا بالعين المجردة فقط.

ضمن هذه الأجواء، تم اعتقال الداعية المثير للجدل أمجد قورشة بتهمة تعكير العلاقات مع دولة صديقة، كما تم تداول بعض الفيديوهات التي نشرها وفيها يبدو متعاطفا مع بعض التشكيلات الإرهابية. أمجد قورشة كان هدفا لنقد زليخة أبو ريشة، وهذا ما دعاها مؤخرا إلى تفسير ما تعرّضت له من حملة تكفير بسبب خلافاتها السابقة معه، وأن التيار السلفي يريد تصفية الحسابات والثأر منها على هذه الخلفية.

طبعا؛ جرى تجاذب أطراف حديث خجول بين بعض المكونات عن مفهوم حرية التعبير، وإلى أيّ درجة يسمح فيها لهذه الحرية أن تُغطّي بعض الأفكار النشطة أو المهددة للأمن العام والاجتماعي، فهناك من يرى أنه لا صوت يرتفع الآن على صوت المعركة مع الإرهابيين، ولا بد من بعض التجاوزات للقوانين المدنية التي صُمّمت أصلا لإرساء حالة من المدنية تضمن السلم الأهلي.

فكيف لهذه المظلة أن تُغطّي اليوم جيشا يتجهز للانقضاض على المكتسبات المتحققة لمؤسسات المجتمع المدني الاجتماعي، والذي ضَمِن جوا مقبولا من الحرية والعدالة. ما زال شعار الحركة الإسلامية يقض مضاجع الكثيرين، فعندما تقول الحركة “الإسلام هو الحل”، هذا يعني أنها تُنكر هوية الدولة الإسلامية، وتنكر على الآخرين تقديم أي مقترحات تختلف مع توجهات حزبهم السياسية. الآن يقال إن هناك محاولات تجري لثني “الحركات” الإسلامية عن رفع هذا الشعار في الانتخابات المقبلة.

تأتي هذه المحاولات في أجواء من المراجعات الساخنة التي تُجريها التيارات الإسلامية على مشروعاتها السياسية والبرامجية، فقد أدركت متأخرا أن الشعار يضعها قبل الآخرين على حلبة من التناقض مع الممارسة، فكيف يمكن التوفيق بين “الخلافة” والسعي للحصول على حصة من المشاركة السياسية في الحكم. كما أدركت الحركة فداحة الخطأ الذي ارتكبته بمقاطعة الانتخابات ما وضعها في عزلة لسنوات خلت.

شعار الحركة الإسلامية “الإسلام هو الحل” يعني أنها تُنكر الهوية الإسلامية للدولة والمجتمع، وتنكر على الآخرين تقديم أي مقترحات تختلف مع توجهات الإسلاميين السياسية

وليس ببعيد عن ذلك، ما يخيّم على عقل الإسلاميين السياسي هذه الأيام من أطياف لذكريات صعبة قديمة جديدة، لكنها ذات صلة، فمن تجربة حماس في الانتخابات وما فرضته بالنتيجة على غزة من عزلة وفشل سياسي، إلى التجربة “الديمقراطية” لإخوان مصر، إلى المراجعات الجذرية في تونس، إلى حالة الفشل التي أدخلت التيارات الإسلامية في سوريا الثورة السورية فيها، وأخيرا وليس آخرا؛ ما يجري في تركيا من تقارب بين أردوغان وتل أبيب. فكل هذه الأمور وغيرها، استدعت آليات جديدة للتفكير وأدوات محدثة لإدارة المعركة المقبلة الصعبة.

حول رؤيتها للحالة الأردنية والمستقبل، بينت أبو ريشة أن “تغليب الحكومات، على تاريخها المتطاول لليمين على اليسار أدى إلى تغلغل الإسلام السياسي الذي هتك نسيج المجتمع الأردني، وأهّله لتديّن سطحي، وسحب إمكان إخراج جيل مفكر ناقد مبدع مبتكر، بينما الحاصل أنه أخرج جيلا يتمسك بمظاهر الدين، لكنه في الحقيقة عنيف وبلا خلق”.

ليس من السهل أن تجد من يتبنى مثل هذا الطرح في مجتمعاتنا المحافظة، فما بالك أن يكون امرأة! لذلك أخذ الموضوع، ربما، منحى حادا في النقاش، وتوصل إلى استخدام أقصى مدياته، ألا وهي التكفير. فلقد ذهب بعض من تصدوا للحديث إلى تكفير زليخة أبو ريشة، مع أنها لم تكن تجادل في الدين، فكل ما طرحته يتعلق بآليات التعليم، وما زادت به على مواقع التواصل الاجتماعي هو انتقاد صريح لجمعيات وحلقات تحفيظ القرآن، وطريقة حقنها للأطفال والشباب بالأفكار الظلامية، التي تفسر النصوص بشطط وتبتعد بها عن جوهرها المعتدل المتسامح. وهذه مشكلة التيار الإسلامي المحافظ، ببساطة؛ إنه لا يقبل النقد، بل يفسره على أنه تعدٍ على الإسلام، وهذا أمر غريب، فمن مصلحة الإسلام السياسي أن يراجع برامجه وأن يستفيد من النقد لتحقيق طرح يناسب الواقع، لا أن يوظفه لتحصيل مكاسب شعبوية آنية.

ليست المعركة الأولى

خاضت أبو ريشة معارك عديدة ضد التيار المحافظ بفروعه كافة، التقليدي والمتدين، وبدأت الكتابة في جريدة الرأي في مطلع الثمانينات من القرن الماضي بشكل أسبوعي، وهي أول كاتبة عمود امرأة في الأردن. ومنذ البداية كتبت مقالا انتقدت فيه طريقة التفكير الديني، ما استدعى أن يردّ عليها، في حينه، الشيخ علي الطنطاوي حيث كان له برنامج في الإذاعة السعودية. وواصلت معركة التنوير على الصّعد كافة في مجتمع يغض الطرف عن الإسلام السياسي موظفا له في معركته مع اليسار السياسي، لكن حتى هذا اليسار لم يناصر زليخة، وظل تأييدها محصورا ضمن الصالونات السياسية والفكرية المغلقة، كما تقول، ولم يُقدِم أيّ من الأطراف المستهدفة بحرب الإسلام السياسي على مناصرتها علانية.

خاضت الشاعرة والكاتبة قبل فترة قليلة معركة في الدفاع عن حرية الأفراد، ومناسبة ذلك النقاشات الحادة التي ارتبطت بحادثة “قبلة الوكالات”، وهي حادثة شغلت الرأي العام الأردني، واستغلها الإسلام السياسي والاتجاه السلفي في التدليل على صحة ما يذهبان إليه من أفكار وتصورات تـمنـع المـجتمـع مـن الانزلاق إلى مهاوي “الرذيلة”.

اليسار الأردني والقوى العلمانية يبدو وكأنهما يعيشان في واد آخر، بينما يستفرد الإسلاميون بالتعليم والحياة العامة لتبقى عقول المثقفين اليساريين منشغلة بقضايا بعيدة كل البعد عن المجتمع

ومختصر القصة، أن هاوٍيا صوّر لحظة لقاء بين شاب وفتاة في شارع الوكالات في عمان الغربية وقد تبادلا القبل والعناق لحظة اللقاء، ما أثار ردود فعل واسعة، وفتح ملفات ونقاشات حول هُوية المجتمع الأردني وحدود الحرية الشخصية فيه. وفي غير موقع خاضت زليخة أبو ريشة معارك عديدة لمصلحة مدنية الدولة الأردنية.

الفكرة الصادمة

يستدعي الخطاب الصادم في المجتمعات المحافظة ردود فعل واسعة. خصوصا في ظل ما تهيئه وسائط التواصل الاجتماعي من سهولة ويسر في التواصل، إلا أن الفكرة الصادمة لها الكثير من السلبيات مقابل ما تُحصِّل من إيجابيات. ففي مجتمع ما زال يتفتح على البحر الجديد المائج بالكثير من الأفكار لا بد من الحذر، فما زال المقدّس يغطي الكثير مما يرتبط بالمعتقدات، فتشحن الصدمة عاطفة هوجاء سرعان ما تتحول إلى حملات شبه منظمة ضد كل ما هو جديد، وليست التشكيلات السلفية بغافلة عن هذه الميزة، فتستغلها من أجل خلق حالة من التعاطف مع ما تطرح من برامج سياسية وفكرية.

لكن لأبي ريشة رأيا آخر، فهي تقول “كما يستنهض الخطاب الصادم ردة فعل وعاطفة دينية جياشة، فإنه أيضا يُشجع العناصر الاجتماعية ‘الخاملة’ المؤمنة بقيم الدولة المدنية، ويدفعها للمشاركة في التغيير، ويدفعها لدعم المنظومة المناهضة للبنى الاجتماعية الفوقية القديمة”. ترى أبو ريشة اليوم أنها حققت الكثير من المكاسب مقابل ما خسرت. ففي الأيام الثلاثة التي أعقبت نشر مقالتها الأخيرة، كانت الردود مليئة بالأذى على المستوى الشخصي، لكن بعدها بدأ حوار جاد يطغى على المشهد، ونُشرت العديد من الدراسات والمقالات التي تدعم وجهة نظرها أو تخالفها في الرأي، لكن ضمن سياق حوار عاقل ينشد الوصول إلى الحقيقة، فلم يعد الملف ملكا للغوغاء، ببساطة، لأنه ليس لديهم الكثير مما يقال في مقام الحوارات والمراجعات الفكرية الجادة، فالسباب والشتائم سرعان ما تُفرغ، لكن بقاء ما ليس بغثاء هو بالتأكيد أنفع للناس.

13