زمان الموسيقى وموسيقى زمان

في موسيقى زمان كان التخت المصاحب لأم كلثوم مكوّنا من خمسة إلى ستة عازفين. وكان الأداء لائقا بموسيقى صعبة المرامي وواسعة المساحة لزكريا أحمد
الثلاثاء 2018/02/27
عدد العازفين في الأوركسترا نتاج الميزانية والتمويل وليس لدواعي الصوتيات والفن

هذا الأسبوع قرأت سؤالا لا أريد أن احتفظ به لنفسي. أضحكني إلى حد أنني قررت مشاركتكم فيه لتعم البهجة ويشيع السرور. السؤال ذكي جدا لأن السائل يفتعل فيه حماقة لا تتأتى لهبنقة نفسه. السؤال يقول:

إذا كانت فرقة سيمفونية واسعة مكوّنة من مئة وعشرين عازفا تستطيع عزف السيمفونية التاسعة لبيتهوفن في ساعة وعشر دقائق، كم من الوقت سيستغرق عزف نفس السيمفونية لفرقة من ستين عازفا فقط؟

ألا ترون معي أن هذا المستوى من الحماقة مفتعل وأن وراءه عقلا في منتهى الذكاء والقدرة على الإضحاك؟ في عروض السيرك، الذي يمشي على السلك العالي ويتعثر ويستعيد توازنه بالكاد، هو أكثر مهارة من الذي يمشي مسافة السلك مستقيما. ادعاء التعثر والغباوة ليس سهلا.

عودا إلى الفرقة السيمفونية. صرنا نعرف أن عدد العازفين في الأوركسترا نتاج الميزانية والتمويل وليس لدواعي الصوتيات والفن بالدرجة الأولى. اكتشفت هذا وأنا أشاهد منشد مواويل مصريا في محطة تلفزيونية عربية غنية، يغني ووراءه فرقة موسيقية فاغنرية الأبعاد (نسبة لفاغنر).

خمسون كمانا وعشرة فلوتات وأوبوات ونحاسيات ووتريات وآلات إيقاع لا حصر لها، كل هذه الآلات تعزف بالتكاتف جملة موسيقية بسيطة تتكرر طول الوقت تقول “تتم تتم تم” والمغني يرقع بالموال. حتى آلات الكمان تعزف بالنقر على الأوتار لا بالقوس. الأوركسترا كلها تصير آلة إيقاع مثل الدف.

 الأوركسترا التي رأيتها بصحبة مغني المواويل تصلح لأداء مقدمة أوبرا تانهويزر لفاغنر بكل بطئها وسعتها، لكن الأوركسترا لا تزيد على ترديد “تتم تتم تم”. أصحاب المحطة يريدوننا أن نعرف أنهم أثرياء ويملكون أن يشغلوا مئة عازف ولو ليصاحبوا متقال القيناوي.

في موسيقى زمان كان التخت المصاحب لأم كلثوم مكوّنا من خمسة إلى ستة عازفين. وكان الأداء لائقا بموسيقى صعبة المرامي وواسعة المساحة لزكريا أحمد. ومرت بضعة عقود ورأينا وردة وعبدالحليم كل يقف أمام أوركسترا فيها أكثر من خمسين عازفا.

هذا عن موسيقى زمان، أما عن زمان الموسيقى فأن المؤلف لا يستطيع أن يملي زمان العزف بدقة، هناك مساحة تستخدم حسب فهم قائد الأوركسترا ومزاجه، لكنه لا يتجاوز العشرة بالمئة من الزمن القياسي.

وأذكر أن ناقدا خبيثا علق على تباطؤ أوركسترا في أوبرا تانهويزر فكتب يقول “في الثامنة مساء بالضبط بدأ العزف، وبعد عشرين دقيقة من الموسيقى السماوية الخارقة الجمال، تطلّعت إلى ساعتي فوجدتها تشير إلى الثامنة وخمس دقائق”.

24