زمن الاحتقار من أطفال حزب الله إلى بيار الحشاش

الجمعة 2014/10/10

لافتة كانت بطاقة الهوية العائدة لأحد قتلى أو أسرى حزب الله والتي نشرت إثر معارك القلمون مؤخرا، صاحب الهوية محمد رباح من مواليد عام 1995 والصورة المعتمدة في الهوية قديمة يبدو فيها طفل لا يتجاوز الثامنة.

كذلك تم عرض فيديو لأحد أسرى حزب الله لدى الجيش الحر وجه فيه رسالة إلى حسن نصر الله يقول فيها إنهم حين يتعرضون للإصابة يطلبون إغاثتهم، وأن المسؤولين عنهم يتعاملون معهم بلامبالاة وعدم اكتراث، و طلب من أهله الاستجابة لمطالب الجيش الحر في حال اتصل بهم وأعلن أنهم يعاملونه بطريقة حسنة.

من ناحية أخرى شاع على اليوتيوب فيديو يضم أغنية للساخر بيار الحشاش تحمل عنوان “على … الجمهور”، وقد حققت انتشارا صاروخيا، إذ شاهدها 6288 شخصا خلال أربع ساعات فقط.

كان الجمهور الذي يغني له الحشاش محتقرا قائلا له “على …” يصفق مبتهجا، وكذلك يفعل جمهور حزب الله الذي لا يبالي الحزب بمصير أبنائه.

التحليل السياسي والعسكري لظاهرة أطفال حزب الله يقول إن الحزب بات يعاني نقصا حادا في الرجال، فعمد إلى إرسال الأطفال تعويضا للنقص لأنه لا يستطيع التراجع عن معركته، والتحليل المباشر لسبب انتشار أغنية الحشاش بهذه السرعة يعلن أن استعمال الكلمات البذيئة كان هو السبب كونه شكل مفارقة لافتة.

تهمل هذه القراءات عمق ما تعبر عنه كل هذه المشاهد، فهي تلتقي في رابط دلالي واحد هو احتقار الجمهور وازدرائه.

حزب الله لا يرى في مؤيديه ناسا ولا حتى جمهورا بالمعنى الذي يجعل من أي كتلة بشرية متجانسة في الميول والأهواء جمهورا، بل لا يرى فيه سوى نوع من الوقود الرخيص لحروب رخيصة. هذا ما يفسر تماسك البيئة الحاضنة له وعدم انهيارها حتى هذه اللحظة، على الرغم من الوضوح الباهر للمسار الذي يقودها إليه وعبثية التضحيات الباذخة التي تقدمها، فقد نجح في السيطرة على جماهيره بواسطة تسليط سيف الاحتقار البتار على رؤوسهم جميعا. وقد نجح في تحويل هذا الاحتقار من مجرد صيغة للتعامل الفوقي التي يمارسها ضدهم إلى نوع من بنية نفسية صبها بداية في قالب أيديولوجي مغلق وحولها أخيرا إلى إيمان.

المقاتل ابن الـ19عاما يذهب إلى القتال مدججا بإيمانه باحتقار نفسه، ما يجعل من عملية احتقار كل شيء وأي شيء سهلة وممكنة، لا بل طبيعية وعادية، من يحتقر شبابه وآماله ومصير أبنائه هل ستهون عليه حياة الآخرين ومصائرهم؟

هذه الوحشية التي يمارسها أطفال حزب الله ضد السوريين والعراقيين وضد جميع من يعاديهم حزبهم ليست سوى نتاج إيمان فعلي متحقق ومتجذر، وقد تم تأكيده عبر سلسلة لا متناهية من التكرارات الحرفية التي لم تخترق لمرة واحدة، فلم نشهد على الإطلاق، ومنذ نشأة هذا الحزب، سياقا يبدي فيه قدرا ما من الاحترام لناسه وجمهوره.

ولعل ذكر حادثة ثكنة فتح الله التي ذبح فيها الجيش السوري 27 شابا من شباب الحزب الإلهي يفيد في هذا الصدد، فهل من الممكن إقناع جمهور ما بالدفاع عن قاتليه حتى الموت ما لم تزرع فيه إيمانا باحتقار ذاته؟.

لا شيء يفسر استمرار البيئة الحاضنة لحزب الله في السير خلفه سوى ذلك، ويمكن لمفهوم الاحتقار كذلك أن يفسر لنا سر تمسك البيئة العلوية ببشار الأسد حتى هذه اللحظة.

لا أعتقد أن بيار الحشاش محلل عظيم ولكنه استطاع أن يلامس طبيعة الجمهور في لبنان، هذا الجمهور الذي يعيش في وضع لا يكفي وصفه بالمزري للتعبير عن مدى الفداحة التي وصل إليها، والذي لا يزال على الرغم من ذلك مستعدا للموت دفاعا عن زعماء يجاهر هو نفسه في كل لحظة بالقول بفسادهم وحقارتهم، لا يستحق سوى الاحتقار، هذا ما توصل إليه الحشاش وعبرعنه بوضوح.

غنّى الحشاش لاحتقار الجمهور فصفق له الجمهور وحياه، يعتقد الناس أنهم ليسوا هم الذين يتوجه إليهم الحشاش بالخطاب. ذلك أن اللبنانيين أصبحت لديهم قدرة رهيبة على فصل أنفسهم عن أنفسهم، والتصرف دائما كآخرين تجاه صورتهم.

هذا الجمهور الذي يعبر عن مرونته وتفهمه وانفتاحه أمام أغنية تحتقره، يريد أن يقول إنه جمهور آخر غير ذلك المجبول بالكراهية والعنف واحتقار الذات والآخرين.

الحشاش يغني للجمهور ويصفه مقرونا بتعريف مفتوح لا يمكن معه حصره أو تمييزه، إنه يتوجه إلى الجمهور قاطبة، أي إلى الجميع.

4