زمن البعوض

السبت 2015/09/05

البعوض أو (الناموس) كما يعرّف في بعض الدول العربية، من أكثر الحشرات المزعجة على وجه الأرض فهي حشرات صغيرة الحجم وعظيمة المفعول، يكفيك وجود مجموعة لحوحة من البعوضات الشريرات لقضاء ليلية يغادرك فيها النوم إلى غير رجعة، ليفصح صباحك عن مجموعة من الدمامل الحمر المؤلمة التي تستبيح جسدك من دون سابق إنذار، وقد لا يشغلك عن آلامها سوى سماع نشرة أخبار الموت على شواطئ الهجرة.

في صيف أوروبا القصير، يجد البعوض ألف عذر وعذر للتسرب إلى المنازل والقيام بمهمة إزعاج ساكنيها، لكن البعوض هنا شأنه شأن المخلوقات المترفة؛ كبير الحجم ممتلئ صحة وعافية وعظيم المفعول مثل مصاص دماء في فيلم رعب. لذلك، سولت لي نفسي باقتناء جهاز ينتمي إلى فصيلة المصائد الكهربائية التي تجتذب أنواعا من الحشرات، إضافة إلى البعوض، يتم استدراجها بوساطة ضوء أزرق تحيط به أسياخ حديدية ناقلة للكهرباء، وبمجرد أن تقع عليها الحشرة المغدورة تقتلها صعقة التيار الكهربائي على الفور، لكنه تيار انتقائي لا شأن له بحرق الموجودات المنزلية التي تحط على سطحه بالمصادفة. وكان يكفيني سماع أصوات صعق البعوض في الليل أثناء متابعة أخبار التلفزيون، وأنا أراقب بفرح وشماتة اختفاء الدمامل الحمر، لكن ابنتي الصغيرة لم تعجبها فكرة القتل والتعذيب بالنار فكانت البعوضة من وجهة نظرها حيوانا مسكينا مكفولا له حق العيش شأنه شأن الكائنات الحية الأخرى (بضمنها الإنسان طبعاً) وإن استلاب هذا الحق منها إنما يندرج ضمن إطار الخروقات السافرة لقانون الطبيعة، حيث لا يحق للبالغين إنهاء حياة حافلة لكائن ما بمجرد إرادة مقيتة أنانية لا تفكر إلا بمصالحها الشخصية ووجودها.

وعلى الرغم من محاولة إقناعها بأن هذه العملية احترازية بحتة ولا تقع ضمن باب التعذيب بالنار لأن موت الحشرة بهذه المصيدة يتم صعقاً وليس حرقاً، بحسب تصريحات بعض المتخصصين في الإفتاء، إلا أنها بقيت على إصرارها واحتفظت بنظرات الريبة التي تلقيها عليّ كل صباح بعد انقضاء (حفلة) إعدام ليلية لمجموعة من البعوض الضالة.

هذه المحاكمات الأخلاقية استمرت بإزعاجي حتى نهاية فصل الصيف، حيث تسنى لي رفع الجهاز (البعوضي) مع بقايا جثث المخلوقات المزعجة وإخفائه في مخزن سري استعداداً للصيف المقبل.

ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك، سيتحتم عليّ المثول أمام قاضي محكمة الأخلاق مرة أخرى، للإجابة عن تهمة انتزاع الحياة من ملايين الخراف الآمنة وإنهاء دورة حياتها بدم بارد لمجرد شعائر دينية غير مبررة، فأعيد على الصغيرة مراراً تلاوة قصة سيدنا إبراهيم وكيف كافأه الله بكبش لإنقاذ حياة ولده اسماعيل “وفديناه بذبح عظيم”، جزاءً على طاعته. تسمع ابنتي القصة وتحتفظ بنظرات الريبة وتقاطع -على مضض- تناول الوجبات التي تدخل لحوم الخراف في تكوينها إلى حين من الزمن تعبيراً عن احتجاجها الصامت.

قبل أيام، أخبرتني إحدى الصديقات من بغداد بأن خلافاً عشائرياً كان سببه تعدي أحدى الخراف الوديعة على مزرعة الجيران دون استئذان، فأكل الخروف ما أكل وأفسد ما أفسد من حقولها الغنّاء بغير حق وحين قبض عليه بالجرم المشهود ومازالت في فمه بقايا من عشب مأكول، حكم عليه بالموت ضرباً وتقطيعاً من قبل أصحاب قلوب مكلومة هالها حجم الخراب والتلف في مزروعاتهم.

أما أصحاب الخروف من المدافعين عن حقوق الحيوان فقرروا الانتقام لفقيدهم بسلب الحياة من سبعة أشخاص من الطرف المعتدي والعين بالعين والبادي أظلم، هكذا يفتدي البشر خرافهم، بعد انقضاء زمن الأنبياء.
21