زمن التعتيم ولى.. في مجلس التعاون

الجمعة 2013/12/13

كانت قمة الكويت لمجلس التعاون لدول الخليج العربية قمّة الوضوح... والواقعية أيضا. كان هناك وضوح في مواجهة المستجدات والأزمات الإقليمية، وضوح وجرأة في الوقت ذاته، وواقعية في التعاطي مع التطوّر المتمثّل في الاتفاق «التمهيدي» المتعلّق بالملفّ النووي الإيراني.

لم يغفل أعضاء المجلس موضوعا من المواضيع المطروحة في الإقليم إلا واتخذوا موقفا منه. إن دلّ ذلك على شيء، فانّه يدلّ على أن زمن التغاضي عن الخلافات والاختلافات في وجهات النظر بين الأعضاء قد ولّى.

لا مجال بعد الآن لسياسة التعتيم على الخلافات داخل المجلس التي قد تكون حقيقية، كما قد لا تكون سوى اختلافات في الإمكان معالجتها خلال سنة أو سنتين أو ثلاث، كما الحال بالنسبة إلى موضوع «الاتحاد» الذي طرحته المملكة العربية السعودية.

شكّل مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ تأسس في أبو ظبي في العام 1981 برعاية الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مظلّة تحمي الأعضاء الذين تربط في ما بينهم مصالح مشتركة من جهة، وأنظمة سياسية ومجتمعات متشابهة إلى حدّ كبير من جهة أخرى.

نجح المجلس في تمكين الدول الست الأعضاء فيه من تمرير السنوات الثمان للحرب العراقية-الإيرانية بأقلّ مقدار ممكن من الأضرار.

ولكن عندما كان على دولة معيّنة مثل الكويت الاجتهاد في اتجاه ما لحماية نفسها، كان على هذه الدولة التصرّف بالطريقة التي تحفظ أمنها ومصالحها بمعزل عن الآخرين.

على سبيل المثال وليس الحصر، اتخذت الكويت في تلك المرحلة خطوة في غاية الذكاء عندما استخدمت رفع علمي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على ناقلاتها كي تستمرّ في تصدير نفطها بشكل عادي على الرغم من التهديدات الإيرانية.

عكست تلك الخطوة وجود قيادة كويتية ممثلة بالراحلين الأمير الشيخ جابر الأحمد ووليّ العهد الشيخ سعد العبدالله، ووزير الخارجية الشيخ صُباح الاحمد، قادرة على اتخاذ قرارات خارجة عن المألوف عندما يكون الخطر محدقا بالكويت والكويتيين. فالاستعانة بالعلم السوفياتي لحماية الناقلات الكويتية، جاء في وقت لم تكن هناك علاقات بين الرياض وموسكو...!

هذه القيادة الكويتية، عرفت كيف تتصرّف في العام 1990 عندما حصل الغزو العراقي مستعينة بالقوى الكبرى، على رأسها أميركا، والمظلة التي اسمها مجلس التعاون. وقد تبيّن مع مرور الوقت أنّ هذا المجلس يؤدي الدور المطلوب منه، دور المظلّة، على الرغم من وجود اختلافات في وجهات النظر، وهي اختلافات كبيرة وعميقة أحيانا نظرا إلى أنّ لكلّ دولة من الدول الستّ نظرتها إلى مسائل محدّدة وحساسيات زائدة تجاه هذه المسألة أو تلك. من بين هذه المسائل كيفية التعاطي مع إيران وتدخلها في شؤون الدول العربية، بدءا بالبحرين، وصولا إلى اليمن والقرن الأفريقي، مرورا بالعراق وسوريا ولبنان.

لم يعد سرّا أنّ لكلّ من الأعضاء الستة نظرته إلى الاتفاق الإيراني- الأميركي في شأن الملفّ النووي، وهو اتفاق يعكس قبل أي شيء آخر تغيير في العمق حصل في الولايات المتحدة.

هذا التغيير الأميركي الذي يقوده الرئيس باراك أوباما هو الأساس. الثابت أن الولايات المتحدة تغيّرت. الثابت أيضا أن هناك من أخذ علما بذلك. ولذلك، كان الوصف الذي ورد في البيان الختامي لقمة الكويت، وقبل ذلك في الخطاب الذي افتتح به أمير دولة الكويت الشيخ صُباح الأحمد القمة، في غاية الدقّة. وصف الاتفاق بأنّه «تمهيدي». ما الذي يمكن أن يمهّد له؟

أبقى مجلس التعاون الأبواب مشرّعة أمام تغيير إيجابي يمكن أن يطرأ على السياسة الإيرانية. رحّب بهذا الاحتمال بكلّ حسن نيّة، ولكن من دون أوهام لدى كثيرين. لكنّ دول مجلس التعاون، بمن في ذلك سلطنة عُمان، لم تتردد في اتخاذ موقف حاسم من النظام السوري، الذي أسمته «نظام الأسد»، وما يرتكبه من مجازر في حق شعبه بدعم إيراني واضح بطابع مذهبي فاقع.

أكثر من ذلك، لم تدع دول مجلس التعاون حادث إطلاق قذائف من العراق في اتجاه الأراضي السعودية يمرّ مرور الكرام. كادت حتى أن تسمي أن إيران تقف وراء المسلحين الذين أطلقوا القذائف. فوق ذلك كلّه، كان لدول مجلس التعاون موقف أكثر من صريح في شأن لبنان والمخاطر التي يتعرّض لها الوطن الصغير بسبب سلاح «حزب الله» الإيراني وميليشياته المشاركة في «حرب الإبادة» التي يشنّها النظام السوري على شعبه.

المهمّ أيضا، أن مجلس التعاون دعم «خيارات الشعب المصري» الذي انتزع مصر من براثن الإخوان المسلمين مبديا «ثقته» بها. هذه رسالة إلى الإدارة الأميركية أكثر مما هي إلى إيران التي سعت إلى استغلال فترة حكم الإخوان لمصر لاختراق مراكز القرار في القاهرة واستيعابها.

يمكن اعتبار ما فعلته ثلاث دول عربية هي دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت، التي انضمّت اليها المملكة الأردنية الهاشمية من خارج مجلس التعاون، دليلا على أن هناك قدرة لدى بعض العرب على اتخاذ مبادرات بغض النظر عما تفكّر فيه أو تسعى اليه الإدارة الأميركية. قبل ذلك، كانت هناك مبادرة، ذات طابع عسكري، في البحرين التي كانت في حاجة إلى دعم جيرانها العرب في مواجهة الفتنة المذهبية التي تغذّيها إيران.

تكمن أهمّية مجلس التعاون لدول الخليج العربية في أنه استطاع تجاوز أخيرا دور المظلّة. تعاطى بوضوح مع أزمات المنطقة وبواقعية مع التغيّر الذي طرأ على السياسة الأميركية.

بعد قمة الكويت التي كانت منعطفا مهمّا، أظهر المجلس مرّة أخرى أنّه حاجة لكلّ من الدول الست الأعضاء، وأن المرونة لا تعني بالضرورة ضعفا، بل يمكن أن تكون أحيانا مصدر قوّة، كما تبيّن مع الاعلان عن تشكيل قيادة عسكرية مشتركة مقرّها في الرياض.

في النهاية، هناك حدّ أدنى من التنسيق بين الأعضاء من دون أن تفقد أي دولة هامش المناورة الذي تحتاج إليه أحيانا. هذا الهامش الذي يتيح بين حين وآخر طعنا متبادلا في الظهر بين هذه الدولة أو تلك.

من قال أن مثل هذه الضربات ليست جزءا من الواقعية...ومن الحوار الدائم القائم بين الأعضاء الستة منذ مرحلة التأسيس، قبل ما يزيد على اثنين وثلاثين عاما؟

إعلامي لبناني

8