"زمن الحصار" رواية تحكي بطولة نساء لبنان في مواجهة الموت

السبت 2014/05/03
يشدد الديري على الوحدة بين اللبنانيين في التغلب على المصاعب

تطرح رواية “زمن الحصار” للبنانيّ غسّان الديريّ معركةً ذاتَ وجهين، لا يقلّ أحدهما أهميّة عن الآخر؛ يتمثّل الوجه الأوّل بمقارعة المحتلّ التّركي، الّذي دام استبداده أكثر من أربعمئة سنة. أمّا الوجه الآخر للصّراع فيتجلّى في الكفاح للخروج من حالة الجهل والتّخلّف، وذلك من طريق افتتاح المدارس، وتعليم الإناث والذّكور، على حدّ سواء.


مواجهات بطلة


يُطلع الرّاوي قرّاءه على التّلازم بين قضيتَي التّحرير والتّحرّر في ذلك الزّمن : تحرير البلاد من المستعمر، والتّحرّر من الجهل، فكان افتتاح المدارس ومحاربة للتخلّف من ثمّة، طريقاً للاستقلال، وظهرت رغبة مُلحّة على ألسنة الشّخصيّات لطلب العلم وتحصيله، داخل لبنان وخارجه. ولم ترد هذه الرّغبة على ألسنة الأجيال الشّابة فحسب، بل تردّدت كذلك على ألسنة أهلهم، الّذين أصبحوا واعين بأهميّة العلم، بوصفه السّلاح الأنجع لتغيير المستقبل.

تظهر ياسمين” فراشة الجرد”، الشّخصيّة المحوريّة في الرّواية، وهي نواة تحرّر المرأة الجرديّة، وأوّل فتاة تدخل المدرسة، تتمتّع بشخصيّة قياديّة، تنتفض على ذاتها، وعلى الاستعمار. أنزلت” جوهرة الجرد”- كما يصفها والدها- العلم التّركي من على سطح المدرسة، هتفت، وحرّضت الطّلّاب على الوقوف في وجه المحتلّ. دفعت الثّمن هي وعائلتها؛ نفاهم “المقاطعجي”، الشّيخ فريد، إلى المراح حيث تعيش المواشي، إثر رفضها الزّواج من ابنه “مخايل”.

تتسارع الأحداث في الرّواية، يتخلّى أهل القرية عن “أبو فهد” وعائلته، فيقرّر التوجّه إلى المدينة، والسّفر إلى أميركا بعد ذلك. تنتفض ياسمين، وتواجه الشّيخ فريد في “دارته”، غير عابئة بمنصبه، تعرّيه وتكشف له حقيقته. ترافق والديها إلى طرابلس، ولكنّها، سرعان ما تغيّر مجرى الأحداث عندما تعلن عن رغبتها في المواجهة والعودة إلى القرية، بدل الهروب.

يمثّل إبراهيم الجردي صورة الفارس البطل المدافع عن بلاده، يتصدّى للمستعمر، يخوض المعارك، يدافع عن الضّعفاء. وعلى الرّغم من شخصيّته القويّة، ومن قلبه الجردي الّذي قُدّ من الصّخر، إلّا أنّه كتلة من الحنان، يحتفظ في حناياه بقلب عاشق. تلتحم في وجدانه ثورة مزدوجة: ثورة من أجل الحبّ، وأخرى ضدّ الاستعمار. يتعاطف مع ابن أخيه صالح، ويسعى إلى إعادة جمْع شمله بياسمين.


ضد الحب


تعيد “زمن الحصار” القارئ إلى أيّام المجاعة الّتي حصدت آلاف الأرواح خاصّة من بين الفقراء والفلّاحين. يصوّر الرّاوي الجثث المرميّة في كلّ مكان، الجميع مات بفعل الجوع والحصار، الأطفال يبحثون في المزابل عن قشور موز وحبّات من البطاطا، البعض التهم الجيف المنتنة، الشّباب تزهق أرواحهم في الجنديّة أو في السّخرة.

"زمن الحصار” تأتي صرخة في زمن تفتّت العالم العربي

هذا الموت اليومي الذّي عرفه أهل الجرد لم ينسحب على أهل المدن، إذ بدت طرابلس في تلك الحقبة من الاحتلال العثماني مدينةً عامرة بالحياة، وكأنّ المجاعة لم تمرّ بالقرب منها “الحبوب والخضار والحلويات معروضة في الدّكاكين.. رائحة زهر الّليمون تفوح من البساتين العتيقة. المسارح والمقاهي والحمّامات والأسواق تتراصف عبر أزقّة ضيّقة…” وكأنّ القرى هي الّتي دفعَت ضريبة الاحتلال، وأبناؤها من الكادحين الفقراء هم من تجرّعوا مرارات الحصار، وأهوال المجاعة.

تحيل الرّواية بإشارة سريعة إلى الثّورة العربيّة الكبرى بقيادة الشّريف حسين، وتشير إلى الانتصارات الّتي حقٌّقها الثّوّار بقيادته. وتعكس حالة التّعايش الإسلامي المسيحي في الجرد، حيث يركّز الرّاوي- ومن خلفه الروائيّ- على تصوير الانصهار التّامّ بين أهل القرية، والتّعاون القائم في ما بينهم. هم متضامنون، يتقاسمون لقمة العيش، كما الأحزان والمسرّات. يتعانق جرس الكنيسة وآذان المسجد لتمجيد الخالق، كما يتعاون أبو حسين مع أبي عمر وأبي جورج لنقل قوافل الحبوب من الشّام، وتوزيعها في شكل حصص متعادلة على المحتاجين.


وحدة لبنان


يُسيطر الرّاوي العليم على القصّ. يعرف دواخل الشّخصيّات، يقرأ أفكارها، يعرف ما تخطّط له وما تحلم به. لا يبرّر معرفته بما كادت تقوله ياسمين لصالح عندما قرّر الّلحاق بوالده إلى الشّام، وتركها في المراح. يعرف الرّاوي ما ينوي “أبو صالح” القيام به “شراء القمح لإبعاد شبح الجوع والموت عن الأهالي”.

كما يدرك الراوي مخاوف “أبو فهد”، ويشاركه حيرته إثر رفضه تزويج ياسمين لابن الشّيخ فريد.

يتغلغل الرّاوي في أعماق ياسمين فيقرأ أمنياتها، ويترجم أحلامها، ويرسم ما تفكّر فيه، تفضّل الموت في الوطن على الهجرة إلى أميركا. يستبق الرّاوي الزّمن، يصوّر الفراشة المتمرّدة على الشّيخ فريد ومعلّميه، تتمنّى أن تقف في وجهه وتنتفض على الظّلم الّذي ألحقه بهم.

يشدّد الكاتب على الوحدة بين الّلبنانيين في التّغلّب على المجاعة، وكسْر الحصار. وكأنّ وحدتَهم تلك في التّصدّي لكمائن العسكر التّركي، هي دعوةٌ إلى الّلبنانيّين اليوم للتّوحّد في وجه مشاريع الفرز، التّي تقصم عرى الوطن، وتُباعِد بين أبنائه.

تأتي”زمن الحصار”، صرخة في زمن تفتّت العالم العربي، الّذي ما فتئ يبدّل ألوان الاحتلال، وصنوف الاستعمار. ولئن انتهى زمن الحصار، فإنّنا نتساءل مع أحد أبطال الرواية؛ صالح: “متى يا رب تنتهي هذه الحرب التي تفتك بشعبي؟ أما شبعت منّا الحرب تشريداً وتعذيباً وقتلاً ؟”.

17