زمن الخرس

الاثنين 2014/09/01

عاقبوا الأم المغمومة والأب الحزين، لا تأخذكم الشفقة والرحمة بدموعهما، أعني ما أقول، وأعلم أن المذبوح لا يمكن عقابه ووحدها لن تفلح القوانين في ردع المجرمين طالما هناك أباء يلوذون بالصمت ويسهلون مهمة الجناة.

لماذا لم تشمل القوانين عقاب كل من يتستر على جريمة اغتصاب أو تحرش بأنثى؟ لماذا لم تشمل عقاب الأبوين إن التزما الصمت ورفضا الاحتماء بالقوانين الرادعة واللجوء إلى الشرطة.

لم يتوقف لساني عن طرح هذه الأسئلة وأنا أستمع لمآساة سلمى، الفتاة الصغيرة التي تقطن عقاراً مازال أغلبه تحت الإنشاء في منطقة نائية، بعيدة عن العمران، وفي عطلة الدراسة حين تذهب الأم إلى عملها ومن قبلها الأب لا تجد الصغيرة مفرا من البقاء وحيدة في البيت ذي الطوابق المتعددة والتي مازال معظمها يخضع لتجهيزات تحتاج عمالا كثرا. أرضعوها السكات، علموها أن صوت البنات عار، وأن الصمت زينة الأنثى وتاج رأس نون النسوة، أسكنوا قلبها الصغير بالخوف في زمن السكوت، زمن الخرس.

إن صرخت وهي تلعب بدميتها تسارع أمها بالتعنيف قائلة: عيب البنت لا يجب أن يعلو صوتها، اصمتي يا صغيرتي، وإن جرحت يداها وسالت دماؤها وبكت بصوت مسموع فهذا “دلع بنات” لن يمر بسلام، ولكن العقاب هذه المرة يكون من نصيب الأب الذي لن يكتفي بمجرد الكلام، ولكنه يستخدم أساليب أخرى.

لم تعرف أن الصمت ضرورة، ولكن الصراخ مسألة حياة أو موت، وأن طلب النجدة ليس عيبا.

كان اليوم قائظ الحرارة، وفجأة انقطع التيار الكهربائي وتوقفت التكيفات، وأرادت الصغيرة كوبا من المثلجات، ففتحت باب الشقة وأسرعت لتروي عطشها، وحين عادت فرحة، تملؤها سعادة غامرة، تصعد الدرج وهي تشدو وتدندن بأغنيات طفولية بريئة، لم تعرف ما ينتظرها.. لحظات من الصمت المحموم انتابت أحد العمال بالطابق الأول من العقار، فجذبها من فوق الدرج، لحظات من الذهول غلفت الموقف بأكمله، وبعنف لم تعتده مزق الوحش الآدمي ملابسها، وشل حركة يديها وقدميها، وأفقدها القدرة على الخلاص.

حاولت الطفلة الصراخ والاستغاثة، حركت لسانها مرارا فلم يخرج صوتها لأنها تعلمت أن الصراخ عار، وصوتها عورة، تعلمت الصمت والخوف في زمن الخرس.. فسكتت.

والحقيقة أن الأم والأب هما من كمما فمها، وعقدا لسانها بعقدة الخوف، وضعا على فم الصغيرة كمامة الرعب من “الصوت” دون أن يدركا أو يعلماها الحد الفاصل بين علو الصوت لعبا وحماقة، وعلوه استغاثة.

لا تعرف الصغيرة حجم الخطر الذي حام حولها، وكيف تعرف وهي تتربى مع أم صامتة وأب لا يعرف غير العقاب البدني والتوبيخ وسيلة للتربية، خرجت الطفلة من رحم أسرة تجيد النطق بكلمة عيب في كل وقت ولكنها لا تملك للعيب شرحا وافيا يحمي الطفلة من الأخطار.

قضم الوحش المسمى خطأ إنسان براءة الطفلة كما يقضم الجائع التفاحة الخضراء قبل النضوج – قبل الآوان- سالت دماء الصغيرة، لجمت الدماء، ونظرات الوحش، وموروث الأسرة لسانها.

عادت الأم من عملها فلم تجد صغيرتها تنتظرها بالبيت، كالمجنونة طافت بكل الغرف فلم تجدها وبعلو الصوت -المسموح للأم- نادت على ابنتها التي لم تلب النداء، هرعت إلى الشارع، وأطلقت ساقيها للرياح تسابق الزمن بحثا عنها دون جدوى، وحين عادت سمعت صوت آنين مذبوح بسكين بارد، بكت الأم، وحين عاد الأب، أخبرته بما حدث وحتمية اللجوء إلى قسم الشرطة لإلقاء القبض على الجاني، نهرها بعنف: كيف لي أن أفعل ذلك وما هو رد فعل الأهل والأصدقاء، وكيف سيكون مستقبلها وسط مجتمع العيب الذي نعيشه، قررت الأسرة أن تدفن جرح الطفلة في قبر العادات والعيب، وتحتمي بالصمت الذي اعتادته وورثته للأبناء.

حاكموهما، وأغيثونا حتى لا تفترس الوحوش البراءة، ولا يقتل الصمت أطفالنا.

21