زمن الزواحف

السبت 2017/05/27

من المنصف القول إن سحلية مرقطة بالأبيض والأسود، بشعة الملامح يبلغ وزنها أكثر من ستة كيلوغرامات ويصل طولها إلى أربعة أقدام، ليست هي الخيار المناسب لتكون حيوانا أليفا يمكن أن يقتنيه المرء في منزله، فيغدق عليه من حبه وحنانه الكثير، لكن هذا الأمر لم يمنع السيدة الأميركية سارة من التعلق بمثل هذا المخلوق، ذكر السحلية، بعد أن سمعت عن مأساته وتعرضه لسوء المعاملة من قبل مالكه الأول، الذي تجرأ وتركه داخل صندوق خشبي وأهمله في الشارع ليصبح بلا مأوى لأكثر من يوم، قبل وصوله في الوقت المناسب إلى حديقة الحيوان!

على الرغم من أن مزاجي سيء هذه الأيام، إلا أنني سمحت لعضلات وجهي بالانطلاق في ابتسامة عريضة أكثر من اللازم، وأنا أشاهد فيديو صادما للسحلية الذكر أو العظاءة الضخم والمقرف وهو يحتضن ويقبل سيدته الأميركية الشابة بحنان وإصرار كبيرين.

أستخدم في العادة ابتسامتي العريضة هذه، لأضع حاجزا نفسيا يجنبني سيلا من دموع افتراضية جارفة، تحاول أحيانا أن تفر من عيوني كلما تسنت لي مواجهة مشهد غريب كهذا.

أكرر، بأن السحلية الذكر هو من تعرض لسوء المعاملة، وليس السيدة الأميركية صاحبته الشرعية حاليا. لا أرغب بالحديث مطولا ولا الاستشهاد بالأرقام والإحصاءات عن عدد الأطفال (من بني البشر) الذين تعرضوا ويتعرضون لسوء معاملة من قبل ذويهم أو الغرباء من أهل السياسة، في عالمنا المشحون بالكراهية، كما لا أرغب بالإشارة إلى الطفل العراقي الذي ربطه والده من قدميه إلى مروحة وسط غرفة المعيشة وجعل جسده يتدلى كجثة ذبيحة، لعدم إطاعته للأوامر أو فشله في الدراسة، لا أتذكر تحديدا السبب، لأني كنت مأخوذة حينها بمشهد تطويح الجسد البريء في فضاء الغرفة الذي ذكرني بأساليب التعذيب المتبعة في سجون الدكتاتوريات.

تبدو أخبار الأطفال المعذبين غير مهمة ولا تستفز شهية المتلقي لكونها مكررة ومملة، خاصة إذا تابعنا يوميات السحلية، الأرجنتيني الأصل (وينستون) في منزله الجديد وهو يقضي جل أوقاته بالتسلق على جسد مالكته الرقيقة سارة، فيشبعها أحضانا ولعقا على وجهها الناعم، في حين يقضي بقية ساعات اليوم في اللعب والتنقل في أرجاء المنزل كأي قط أليف.

عانت سارة كثيرا في الشهور الثلاثة الأولى بعد تبنيها وينستون، فكانت تقضي بجانبه ساعات طويلة حتى تزيل عنه وحشة المكان الجديد وتكسب ثقته ووده، بل وتداوي جروحه النفسية التي سببها تشرده في الشوارع ليوم ونصف اليوم، قبل أن تنقذه أيادي العطف في حديقة حيوانات ميتشيغان الأميركية.

تصف سارة السحلية بكونه حنونا جدا ومطيعا إلى أقصى حد. بالطبع، لم أستطع التركيز أكثر في ملامح السحلية الفخم الذي سيبلغ عامه التاسع قريبا كي أصفه بدقة أكبر وأستشف مكامن حنانه ورقته، لأني لا أمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة نظراته، لكني حدقت مطولا في وجه السيدة مالكته فوجدتها تشبهنا كثيرا، وجه قد نصادفه في الشارع أو العمل أو مركز تسوق، وجه لا يبالي ملامحه باردة ونظراته غير مبالية.

تخلّص وينستون أخيرا من سوء المعاملة، لكننا مازلنا نتعرض لها مرارا ونحن نتصفح يوميا مثل هذه الأخبار، خاصة أن السحلية في إحدى صوره المقرّبة جدا، كان يتعمد النظر إلينا من عليائه وهو يخرج لسانه بكل وقاحة ويقول لكل الأطفال المعذبين “أنا هنا، في مملكة الحب، أعيش حياة مرفهة وأحصل على الكثير من الطعام والأحضان والقبل، أنا هنا في حمى صاحبتي داخل أربعة جدران من الحنان وبعيدا عن شرور عالمكم الجبان”.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21