زمن السبات المقدس

السبت 2015/10/10

في إحدى المرات، ارتكب الفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس هفوة لا تغتفر حين اعتقد بأن سرعة سقوط الأجسام تعتمد على كتلتها، وافتضح أمره بسبب تجربة (كيدية) قام بها الإيطالي غاليليو غاليلي، حين أسقط كرتين بوزنين مختلفين من برج بيزا المائل فضربتا الأرض في الوقت ذاته، مقوّضا بذلك نظرية أرسطو.

وقام غاليليو بإثبات خطأ نظرية أرسطو، عن طريق الملاحظة والتجربة والشك أيضا، الشك الذي اعتبر تطاولا حينها على (المعلم الأول) الذي يعد في نظر متخصصين عبر التاريخ عنوانا للعلم والمعرفة وكانت نظرياته، ومازالت، مقدسة لا يمكن المساس بها.

وحين تضايق زملاء أرسطو المتحفظين في هيئة التدريس بجامعة بيزا من وقاحة الإيطالي المستطرق وحبه العميق للشك، فقد غاليليو وظيفته لكنه أصبح فيما بعد أيقونة للثورة على الثوابت.

تعلم غاليليو الفيزيائي والفلكي منذ صغره أن يكون مستقلا فكريا وأن يقابل الأفكار بالتشكيك السليم، وكان يؤمن بتطوير عادات التفكير والخروج بين الحين والآخر عن المسلّمات وفك أسر المعتقدات الجامدة، وهذه هي الأرض الصلبة التي انبنت عليها العديد من الابتكارات والإبداعات في شتى مجالات المعرفة إلى يومنا هذا.

الشك جزء أساس من التفكير السليم وتحدٍ واضح للجمود، وهو من وجهة نظر المبدعين فن “الاستفسار” عن المسلّمات والمطالبة بأدلة إضافية، كما يعني أن ننظر حولنا بمزيد من الحذر وألا نكون مجرد مستهلكين سلبيين لأفكار الغير.

اليوم، ابتداء من إعلانات التلفزيون وليس انتهاء بالخطابات السياسية المراوغة والمواعظ الدينية المملة، يتم اصطياد المواطن البسيط في شرك التبعية للآخر، حيث تصادر حريته وحقه و(رأسه) في الاعتقاد برأي مخالف أو إبداء شكوكه (الشرعية) بكل ما هو مألوف ومسلّم به، فيسرق رغيف خبزه ويقتل أبناءه وتمرغ كرامته في الوحل وفق أهواء معتقدات دينية ومذهبية وعرفية أكل الدهر عليها وشرب، وفوق ذلك، يقع أسيرا لـ”مسوخ” يسمون أنفسهم رجال دين وهم لا يفقهون شيئا من معاني أسمائهم.

هذا المواطن المغلوب على قهره لا يملك خلاصا لنفسه أو لغيرها، يقبع في كهف مظلم من الاستسلام منتظرا حدوث المعجزات أو بلوغ آخر الطريق المظلم، لعله يجد ضالته في نهاية تراجيدية تليق بضحية مستسلمة لجلاد يدّعي الحكمة وهو منها براء. في حين أن (المخلوق) السياسي لا يحتاج إلى خطاب مموّه ليستدعي قلق وشك الشعوب المظلومة، فقد تكفيه صفة سياسي لتزيل عن شخصه المقيت أي شك في نوايا طيبة، وبعد ذلك يمكنه أن (يفرش) على عقول البسطاء ما شاء له الحظ من نظريات عاطلة عن المعنى فلا لون ولا طعم ولا رائحة، سوى رائحة الفساد.

أما في العلاقات الإنسانية المعقدة، فالشك واجب مشروع لحماية الروح من الوقوع في شراك كذب الطرف الآخر، الذي لا يتوانى عن استعباد شريكه بأبيات شعر جاهلية على طريقة (المنخل اليشكري)، الذي أنشد لحبيبته “وأُحِبُّها وتُحِبُّني ويُحِبُّ ناقَتُها بَعيري”، بينما لا ناقة تجمعهم ولا جمل سوى قيد بغيض من أنانية، فهذا الحب شرك آخر لشّد الطرف المغلوب على أمره إلى فخ التبعية بدعوى الارتباط المقدس، مقدس لا يمكن المساس بثوابته، على طريقة رجال الدين.

قليل من الشك لا ضير منه، حتى وإن كان برأس (دبّوس) تدغدغ به عقول كائنات داجنة طال زمن سباتها.

21