زمن السنوات العشر

الأحد 2016/11/27

إلى كل لاعب موهوب ولديه القدرة على اللعب في الدوري الإسباني الممتاز وتحديدا مع نادي برشلونة، إياك أن تعبث مع مصلحة الضرائب في البلاد، وإياك أن تفكّر ولو للحظة أن تتلاعب في مسألة التدقيق المالي، فمصيرك قد يكون السجن أو عدم السفر مجددا إلى إسبانيا، إذا كتب لك أن تغادرها دون أن تتفطن إليك مصلحة الضرائب.

ربما هذا هو الوجه الخفيّ من اللعبة الرياضية في بلاد تتنفس كرة وتعيش كرة ويرتكز جزء من اقتصادها على الساحرة المستديرة، خاصة وأن إسبانيا لديها أحد أفضل الدوريات في العالم بفرق ميزانياتها المرصودة تضاهي ميزانيات بعض الدول النامية.

اليوم في زمن تتحكم خلاله قوة المال في المشهد الكروي ليس في إسبانيا فحسب، بل في شتى الدوريات المحترفة والقوية، باتت الدول تفكّر بدورها في أخذ نصيبها من “الدجاجة التي تبيض ذهبا”، فملايين الدولارات التي تصرف في انتداب اللاعبين والعائدات الضخمة التي تغنمها الأندية والاتحادات الكروية أضحت مصدرا رائعا لتعزيز المداخيل العامة لأيّ دولة.

من حق إسبانيا أن تفتخر بوجود دوري قوي للغاية يضم أبرز فريقين في العالم على الإطلاق هما ريال مدريد وبرشلونة، هما فريقان لا يتكلمان إلاّ بلغة الألقاب والبطولات، وأيضا بلغة الأموال والعائدات الضخمة، خاصة بعد تطور حجم العائدات التلفزيونية والإشهار ومبيعات المنتجات الرياضية، كل هذا الأمر ساهم أيضا في ارتفاع أسعار اللاعبين، لكن رغم ذلك فإن الأندية قادرة على دفع مبالغ طائلة لانتداب اللاعبين حتى وإن كان سعر البعض منهم يتجاوز 100 مليون يورو.

إذن من حسن حظ إسبانيا أن لديها مداخيل جيدة للغاية متأتية أساسا من الضرائب المفروضة على الأندية عند كلّ عملية بيع أو شراء، وهذا الأمر معمول به في أغلب الدول مثل فرنسا التي سنت قانونا يفرض على كبار اللاعبين دفع مبالغ تصل إلى غاية 75 بالمئة من عائداتهم المالية، وهذا النهج سلكته بأقل قوة إسبانيا التي بدأت منذ سنوات في فرض رقابة دقيقة على كل عمليات الانتقالات الحاصلة في الدوري.

وبمرور الأعوام ارتفعت عائدات الدولة الإسبانية المتأتية من الضرائب المفروضة على الأندية وخاصة الغنية منها، فكلما ارتفعت قيمة اللاعبين كلما تضاعفت عائدات الضرائب.

ومع ذلك، شاب بعض التعاقدات غموض وتحيّل الهدف منهما التهرب من دفع الضرائب، وخيّر البعض الآخر إخفاء رواتبهم الحقيقية لتجنب دفع مبالغ طائلة للدولة الإسبانية، ومن سوء حظ برشلونة أن أغلب عمليات “التحيّل” حصلت في معقله، وكان أبطالها بعض لاعبيه وفي مقدمتهم البرازيلي نيمار الذي حاصرته منذ قدومه إلى الفريق الكاتالوني اتهامات وفضائح تتعلق بالغش والتلاعب في صفقة انتقاله إلى الفريق قادما من نادي سانتوس البرازيلي.

ورغم مساعي هذا اللاعب الذي تورط هو ووالده والرئيس السابق للنادي ساندرو روسيل، لحلّ المشكلة وعبّر عن استعداده اللامشروط منذ فترة لتسوية وضعيته مع مصلحة الضرائب، إلاّ أن النيابة العامة الإسبانية طالبت مؤخرا بسجنه على خلفية تورّطه في إخفاء القيمة الحقيقية لصفقة انتقاله لبرشلونة سنة 2013، كما طالبته بدفع غرامة مالية تتجاوز قميتها 10 مليون يورو.

قبل نيمار اكتوى عدد من لاعبي برشلونة “بنار” التهرب الضريبي وكاد البعض منهم يدفع الثمن غاليا مثل الأرجنتيني ماسكيرانو والشيلي سانشيز، بل إن “البرغوث” الأرجنتيني وأيقونة النادي الكاتالوني ليونيل ميسي تورّط بدوره في قضية التهرّب الضريبي وكاد بدوره يكون تحت طائلة العقوبة.

أما الخبر الأبرز في كل هذه المعطيات التي تؤكد أن السلطات الإسبانية لا تتهاون في الدفاع عن حقها في الحصول على “غنيمة” معتبرة يكفلها لها القانون الضريبي، هو مطالبة النيابة العامة الإسبانية بسجن اللاعب الكاميروني صامويل إيتو لمدة 10 سنوات، والسبب في ذلك تهرّبه من دفع المستحقات المستوجبة عليه تجاه مصلحة الضرائب طيلة الفترة المتراوحة من سنة 2006 إلى غاية 2009 عندما كان يلعب لفائدة برشلونة، فإيتو من وجهة نظر النيابة العامة غالط الجميع وأدلى بمعطيات مغلوطة حول العائدات التي كان يحصل عليها طيلة تلك الفترة.

ورغم مرور أكثر من ست سنوات على رحيل إيتو من معقل الفريق الكاتالوني، إلاّ أن السلطات الإسبانية التي بحثت ودققت وراجعت الملفات القديمة تبدو غير مستعدة أبدا للتخلي عن حقوقها، حتى وإن بات إيتو بعيدا عن إسبانيا منذ زمن بعيد.

ربما سيتعيّن على إيتو أن يبادر بتسوية ملفه الضريبي، وربما يكتفي بالصمت مثلما فعل بعض اللاعبين الآخرين، إلاّ أن القضية ستلاحقه طويلا، وسيتعين عليه إذا خيّر الصمت أن ينسى زيارة برشلونة، لكن عليه قبل كل شيء أن يتذكر ما حصل مع الأسطورة والنجم الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا الذي ظل محروما من زيارة نابولي لسنوات طويلة، قبل أن يرضخ للأمر الواقع ويسوّي مشاكله مع الضرائب.

وفي المقابل يجب على إيتو أن يعلم جيدا أنه جزء من تاريخ برشلونة وأحد صانعي إنجازاته الرائعة في دوري الأبطال، ومن العيب أن يترك كل هذا الإرث خلف ظهره لمجرد التهرّب الضريبي، كما من واجبه أيضا أن يدافع عن نفسه ويخرج للعلن كي يؤكد أنه لم يكن يوما محتالا، فما قدمه للنادي لا يقدّر بثمن وما جناه منه لا يعادل ما حققه لاعبون كثر لم ينجحوا في ترك بصمة واضحة مثلما فعل هذا “الأسد” الكاميروني.

كاتب صحافي تونسي

23