زمن الكتابة

الكتابة التي تخترق زمنها؛ قصيرا كان أم طويلا؛ هي المعجزة الشخصية للكاتب التي علينا أن ننتبه إليها ونمنحها الكثير من الاهتمام والقراءة والتقويم.
الخميس 2018/08/16
غوته أمضى 60 كاملة حتى ينجز رائعته "فاوست"

تطلّب من الشاعر الألماني غوته أن يمضي ستين سنة كاملة؛ وهي عمرٌ طويل؛ حتى ينجز رائعته المسرحية “فاوست”، وتطلّب من ماركيز أن يقضي عشرين سنة كاملة حتى ينجز رائعته السردية “مئة عام من العزلة” بين التحضير والتأمل ومراجعة المصادر وأراشيف كولومبيا السياسية والاجتماعية والكتابة الفعلية لها، بينما لم تستغرق كتابة “451 فهرنهايت” لراد برادبري غير تسعة أيام، فيما أنجز الماركيز دي ساد عمله الروائي الكبير “120 يوما في سدوم- مدرسة الخلاعة” في خمسة وثلاثين يوما فقط، وفي أربعة عشر يوما لا أكثر أنجز كافكا أسطورته السردية “المسخ”، في حين بقي بروست يكتب عشرات السنوات بملحمته “الزمن الضائع”.

وهكذا يمكن ذكر أعمال روائية ومسرحية وفكرية عامة كثيرة ضغطت على زمن الكتابة أحيانا وضغط الزمن عليها في الكثير من الأحيان؛ وبين الحالتين كانت تُنتَج نصوص عظيمة وكبيرة تعاكس الزمن المُتسارع بوجودها الفكري والفني وفي جمالياتها الأدبية المختلفة التي تبقى.

كيف يكتب المبدع أسطورته السردية ويتخلص من الزمن الذي يحيط به؟ وكيف يكون قادرا على معاكسة زمنية الكتابة طالت أم قصُرت به؟ وهل زمن الكتابة نفسي أم اجتماعي أم بين هذا وذاك؟

ليس هناك جواب أخير على مثل هذه الأسئلة، وليس ثمة نظرية محددة ترى بأن الزمن يمكن ضغطه في محفظة الكاتب حينما يواجه معضلة اسمها الزمن، زمن الكتابة، وكيفية التحايل عليه أو استباقه أو الالتفاف على أيامه وشهوره وسنواته، إذ علينا أن نتقصى الكثير من الحقائق المزاجية والنفسية والاجتماعية والسياسية والظروف البيئية المحيطة بالكتّاب من شتى جوانبها، فليست الكتابة الإبداعية عملية آلية من دون شعور وتهيؤ كلي، ولا هي ضرب الأزرار لتوليد الحروف والسطور، بقدر ما هي نضال ضد الوقت ومعركة حقيقية معه تحت ضغط المزاج والظروف المتعددة، وهي تحرير مرحلي للفائض من المخزون المعرفي والخيالي لصناعة أثر إبداعي، وبالتالي هي تحرير عقلي ونفسي وجسماني أيضا للوقوف عند الخط الأخير من هذا الماراثون المتعب.

الزمن الذي نبحث عنه هو زمن الكتابة وليس الزمن بوصفه حقيقة سائلة كما يصفه أرسطو، لكنه الزمن المتحقّق في الكتابة للخروج بمعطيات إبداعية حقيقية

وحينما نأخذ السرديات بشكلها العام، فإننا نأخذ المساحة الواسعة التي تشغلها والوقت الذي تنصرف إليه والموضوعة المتفرعة إلى مفاصل وأجزاء وأحداث وفصول وتواريخ وأمكنة وشخصيات وحواريات ووصف وتخييل وما إلى ذلك من مكوّنات سردية ينتظم معها الخط السردي للأثر الإبداعي.

فإذا كانت الكتابة متعة فإنها مؤلمة بوصف ماركيز، ومرد هذا الألم إلى العالَم الكبير الذي تنشئه السرديات وضرورة تقريبه إلى الواقع بتنشيط مفصل الخيال الفائق حتى يتحقّق الْتماس بين الواقع والخيال لإنتاج رواية ذات مواصفات فنية متقدمة أو فضاء مسرحي يحيط بمشكلات الإنسان الكثيرة.

ولذلك فالزمن الذي نبحث عنه هو زمن الكتابة وليس الزمن بوصفه حقيقة سائلة كما يصفه أرسطو، لكنه الزمن المتحقّق في الكتابة للخروج بمعطيات إبداعية حقيقية، وهو ما أشرنا إليه في بداية التقديم على أنه زمن منفتح أمام الكاتب وخبرته وثيمته ومستواها الزمني التاريخي الآخر الذي ينضغط في كتاب في نهاية الأمر ليحقّق زمنيته الشخصية. وتشخيص همنغواي صحيح، حينما قال إنه لا ينبغي علينا التوقف عن الكتابة إلاّ حينما نعرف الكيفية التي سنستأنف فيها العمل في الغد.. والغد هو الزمن الذي فيه أكثر من غد.

هذا الكتاب هو زمن الكتابة المتعب والمؤرق للكاتب سواء أكان طويلا أم قصيرا، فليست الأيام والأشهر والسنوات هي المقياس الأخير للمنتَج الإبداعي، إنما نتائج هذا الانتظار الشاق الذي يصرفه الكاتب تحت ظروف وأوضاع نفسية ومزاجية، داخلية وخارجية، لذلك فإن الكتابة التي تخترق زمنها؛ قصيرا كان أم طويلا؛ هي المعجزة الشخصية للكاتب التي علينا أن ننتبه إليها ونمنحها الكثير من الاهتمام والقراءة والتقويم.

14