زمن سوزان الكردي

الخميس 2014/11/27

ليس هذا أكثر ما يستحقه حزب البعث، ولكنه القليل الذي يستحقه من كثير ينتظره. ففي المدن والنواحي التي تسبب فيها الهتاف لأجل الحرية بمئات آلاف الضحايا، ها هي سيدة بعثية اسمها سوزان كردي، تشغل موقعا قد تصعب رؤيته بمجهر لمن هو في مقام أمين عام حزب البعث العربي الاشتراكي، تقرر، بمبادرة مستوحاة من السياق الدموي لسوريا المعاصرة، تغيير شعار حزب البعث، بإسقاط كلمة “حرية” من شعاره التاريخي، واستبدالها بكلمة أخرى.

حدث هذا عندما اكتشفت مديرة مدرسة “عبدالفتاح السعدي” في حي “المحافظة” الراقي بمدينة حلب الواقع تحت سيطرة نظام الأسد، أن أحد طلاب مدرستها تجرأ وتلفظ في باحة المدرسة، نهارا جهارا وعلى مسمع من زملائه التلاميذ، بكلمة “حرية”. أما وقد هالها ما سمعت، فقد عمدت إلى التشهير بالتلميذ في باحة المدرسة وقامت بضربه ضربا مبرحا، ليكون عبرة لغيره من الطلاب الذين بات محققا لها أنهم ولدوا عبيدا لآل الأسد، وعليهم أن يبقوا عبيدا، وألا يفكروا، يوما، أن ينشأوا أحرارا، أو يحلموا حتى بفكرة الحرية. لا مكان لهذه الكلمة في سوريا.

خلال حفلة التعذيب كان الطفل يحاول متوسلا أن يشرح للمديرة كيف أن الكلمة مقررة في الشعار الصباحي الذي هو شعار الحزب (وحدة، حرية، اشتراكية) وعلى باب المدرسة، وعلى الحائط، وفي كل مكان داخل المدرسة وصولا إلى باب المديرة نفسها. لكن هذا الشرح كان سببا إضافيا لمزيد من الضرب والتأديب. فالحرية هي سبب بلاء سوريا، خصوصا، عندما يكون بين الحاضرين من المعلمين والمعلمات مخبرون و”عواينية” يشتغلون لمصلحة الفروع الأمنية، فيجب أن يكون صوتها عاليا ليسمع جميع هؤلاء، حتى وهم في صفوفهم، أو خلال استراحاتهم صوت المديرة وهي تصرخ في التلميذ: “لا حرية هنا، هذه الكلمة لا مكان لها في المدرسة، إياك أن تتلفظ بها ثانية”، الرسالة موجهة إلى كل من يسمع، فالمديرة تريد أن تقول للسامعين، أرأيتم، أنا مع النظام، أنا مع السيد الرئيس، لن أسمح لهذه الكلمة بأن تبلغ أذهان طلابي، لا تفكروا بي بشبهة، لا تشتبهوا بي. ولسوف يبادر المخبرون الذين يرتدون ملابس المعلمين والمعلمات برفع تقاريرهم إلى أسيادهم عن المديرة المذعورة التي ترتجف غضبا من كلمة تحولت إلى كابوس يومي بالنسبة إلى النظام وأتباعه وجمهوره المرهق.

الرسالة الأخيرة، للجميع، طلابا ومعلمين، بعد أن أشبعت مديرة المدرسة تلميذها ضربا: “إياكم- والكلام لكل من يسمع- أن يتلفظ أي منكم بهذه الكلمة، ومن يفعل سوف يتعرض لأقسى العقوبات”.

“ولكن، ماذا نردد في تحية العلم بدلا من هذه الكلمة”، سأل التلاميذ المجتمعون في باحة المدرسة، فأجابت سوزان الكردي: “(وحدة عربية اشتراكية) هذا هو الشعار الجديد”. ها قد عثرت المديرة البائسة على الكلمة الأكثر هوانا في سوريا، لتكون بديلا من “الحرية”.

هو ذا مشهد فانطازي آخر من مشاهد سوريا الأسد، حيث يسيطر على كل فرد في جمهورية الرعب هوس الخوف على النفس، وهستيريا البحث عن جحر أمين ينقذ المرء فيه نفسه، ويبقيها بعيدا عن اليد الطائلة للسلطة المتهاوية والمذعورة من كلمة حرية، حتى لو كان هذا الجحر هو قاع العبودية.

خرج السوريون يطالبون بالحرية ومعها الكرامة، لكن الفاشية المرعبة للنظام العسكري الذي حكمهم لنصف قرن أنكرت عليهم مطالبهم، وواجهتهم بشعارها الأوحد: “الأسد أو لا أحد”، وبعد أربع سنوات من تطبيق هذا الشعار، تحول جمهور النظام والبشر الواقعون في جغرافية وجوده اليومي إلى مسوخ زالت عنهم كل أسباب الشعور بالكرامة، ولم تبق لهم من أنفسهم أو من طباع البشر سوى قشعريرة الرعب.

نهاية الكرامة ونهاية المنطق، نهاية التربية والتعليم، ونهاية الشعار الأيديولوجي الذي رافق كل هذا على مدار نصف قرن من الاستبداد الذي بات هو نفسه انحطاطا خالصا. وهي بالتأكيد، بالنسبة إلى سوزان الكردي نهاية الكلمات ونهاية المعنى.


شاعر سوري

9