زمن عبدالحليم

الأربعاء 2016/01/13

لم تكن الأغاني التي كان يغنيها عبدالحليم حافظ في الستينات كلها موفقة، بل كان هناك بعض الأغاني التي لو تأملنا كلماتها اليوم، لوجدناها ساذجة لدرجة تثير الضحك.

هناك مثلا أغنية “حبك نار”، وهي من تأليف مرسي جميل عزيز وتلحين محمد الموجي. فهل من المعقول أن يقول الحبيب لحبيبته “حبك نار مش عايز أطفيها ولا أخليها… دقيقة تفوتني ما أحسش بيهـا”، وما هذه المازوكية الغريبة.

ومع ذلك فعبدالحليم كظاهرة غنائية خارقة غير مسبوقة، ظهرت في عصر الانتشار الهائل للراديو والسينما، وكان جمهور عبدالحليم مستعدا لتصديقه والتصفيق له، مهما كانت غرابة بعض أغانيه.

كان الكثير من هذه الأغاني يقدم للمرة الأولى في أفلامه، ومنها “حبك نار” التي غناها في فيلم “حكاية حب” بمصاحبة فرقة موسيقية كاملة على المسرح أمام حبيبته مريم فخر الدين، وكانت في ذروة جمالها وأرستقراطيتها. وانتهت الأغنية في الفيلم بسقوط عبدالحليم على المسرح مصابا بنوبة قلبية.

كان الكثير من أفلام عبدالحليم مقتبسا من حياته الشخصية وممزوجا بشخصيته في الفيلم، كأن تجعله أحداث الفيلم مثلا مريضا بالقلب لم يبق أمامه سوى أشهر معدودة في الحياة، أو كيف أن أصوله الفقيرة تحول بينه وبين الزواج من ابنة الأسرة الثرية.

وفي المقابل فعبدالحليم مطرب الطبقة الوسطى المصرية، كان يبحث دائما عن الجـديـد، وقـد لفتـت موسيقى فـرقـة البيتلـز الإنكليزية وأغانيها القصيرة السريعة التي انتشرت انتشارا هـائلا في منتصف الستينات، أنظار عبدالحليـم فأراد أن يجرب الأغنية القصيرة السريعة التي تقتبس من الموسيقى الغربية، ولكن من خلال اللون الشعبي. وقد تحمس صديقه بليغ حمدي، الذي كان قد حل محل الموجي قرب “حليم”، بأن يلحن له بعض الأغنيات القصيرة التي استلهمت من الفولكلور المصري.

كان عبدالحليم حافظ قد اقترب في الستينات من الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، الذي كان قد مر بتجربة قصيرة في معتقلات عبدالناصر، وأصبح بعد ذلك من أشدّ المتحمسين له، فكتب لعبدالحليم أغنية “التوبة” التي تستند إلى كلمات من الفولكلور الصعيدي، ويقول مطلعها:

أنا كل ما أقول التوبه يا بوي ترميني المقادير يا عين

وحشاني عيونه السودة يابوي ومدوبني الحنين يا عين

متغرب والليالي يا بوي مش سايباني في حالي يا عين

والرمش اللي مجرحني يا بوي ضيعني وأنا كان مالي يا عين.

وقد غناها عبدالحليم على نغمات موسيقى بليغ حمدي التي جعلت منها أغنية سريعة قصيرة لا تستغرق أكثر من 4 دقائق، وبإيقاعات ونغمات أوروبية واضحة، يعلو فيها صوت الآلات الموسيقية الغربية مثل الساكسفون والأكورديون والبونغز وغيرها، إلاّ أنها قوبلت بنوع من البرود إن لم يكن الرفض، من جانب الجمهور بسبب غرابة إيقاعها، كما هاجمها الكثير من نقاد عبدالحليم ومنهم الناقد الموسيقي العملاق كمال النجمي، الذي وصف عبدالحليم بأنه يبدو مثل خواجة صعيدي، يرتدي الجلباب الصعيدي ويضع على رأسه القبعة.

كان عبدالحليم بالطبع يسعى إلى العثور على ألحان موسيقية يمكن أن يرقص على إيقاعاتها الشباب الذي كان مهووسا في تلك الفترة بالموسيقى الغربية الحديثة. ولهذا الغرض ربما يكون عبدالحليم قد ضحى بأهمية الكلمات، ولقد أثارت أغنية “جبار” التي غناها في فيلم “معبودة الجماهير” السخرية بعد أن قيل إنها أغنية سياسية ترمز للنظام.

وعندما اختار أن يغني أغنية أخرى من الفولكلور المصري هي “على حسب وداد قلبي يا بوي راح أقول للزين سلامات” انبرى كثيرون للسخرية واستخدموها للنيل من نظام عبدالناصر الذي كان يحظر الأحزاب السياسية بالطبع، فقيل إنها كانت تدعو إلى حزبين اثنين فقط هما: حزب وداد.. وحزب الريح.

وفي زمن عبدالحليم الكثير من القصص الشيقة.

ناقد سينمائي من مصر مقيم في لندن

16