زمن ماركيز حي من الأسطورة حتى البحر

الاثنين 2014/04/21
مات ماركيز وظلت كتبه الملهمة راسخة في ذاكرة القراء

توًّا فتحت الحاسوب، الشبكة كما السلاحف الكثيرة هنا في قلب غابات الأمازون وأكثرها ثراءً وتنوعًا بيئيًّا آخر نقطة في الأكوادور وعند الحدود مع البيرو. فوجئت بما كتبه الصديق الشاعر نوري الجراح على الخاص. إذًا ماركيز رحل، هل كانت صدفة أنني منذ فترة بدأت بكتابة مقالة بعنوان (في ضيافة ماركيز) ولا أدري لمَ لمْ أستطع المضيّ فيها؟ كنتُ كلما أحاول التدوين أشعر بالعجز والتعرق وكأني أمام مهمة عسيرة، أو كأني أجرب الكتابة للمرة الأولى.

ماركيز الروائي الذي علمني درسًا كبيرًا كغيره من الكبار، وهو لا يمكنك أن تكون على الأقلّ مثقفًا إن لم تتبحر في تاريخ بلدك وجغرافيته وبناه الاجتماعية. قادتني خطاي وربما شغفي إلى العيش مجاورًا لبلده. علمًا أن الأكوادور هي جزء من كولومبيا الكبرى. وثمة تشابهات كثيرة في البلدين، وزرت كولومبيا مرتين ولم أختم جواز سفري لأن التنقل بين دول الأنديز بالهوية الشخصية، ولأن البلد الوحيد الذي مررت به وحسبوني منهم هو الأكوادور فعليه عبرت الحدود مرتين كمواطن أنديزي أكوادوري. شكلت روايات الراحل الكبير لي مفتاحًا لسبر غور المجتمع العراقي أولاً والمجتمع العربي مع الأقوام المتآخية معه. فلم أقرأ تاريخ الحكام والحروب والمجد التليد إلا كهامش، بينما كان التركيز على اللغات والمجتمع وتطوره همّي الأكبر. أعترف أن روايات ماركيز هي من الكتب التي حفزتني وألهمتني هذه الفكرة، فلم أفهم من مجمل إبداع الروائي الكبير إلاّ على أنها دراسة لمجتمعه ووطنه، بصيغة إبداعية مدهشة سحرت الكثير منا، وأرى نفسي محظوظًا أنني لامست واقع الروايات، أعني العيش مع السكان الأصليين ومع بقية السكان ممن أصولهم إسبانية وعربية.

رحل غابرييل غارسيا ماركيز، في الوقت الذي كان القارب يقلني في عرض نهر نابو الكبير على امتداد ساعات عشر. وكانت قرى السكّان الأصليين على ضفتي النهر على غير عادتها حين مررت بها سابقًا. لكن كيف ستكون ردة فعلهم خصوصًا وردة فعل سكان كولومبيا الكبرى على رحيل روائي كانت رواياته بلغته الأسبانية تطالعني في كل مكان..؟ فما دخلت مكتبة ولا مررت ببائع كتب أو باعة الكتب المستعملة إلاّ وهذه الروايات تتصدر رفوفهم وأرضية الكتب. طبعات متنوعة قديمة وحديثة.

رحل الروائي الذي تحول إلى ظاهرة وقلّده الكثيرون، بل وثمة حفظة حفظوا روايته المميزة “مئة عام من العزلة” ولكنهم مهما حاولوا وادعوا ليسوا سوى حفظة لا أكثر. ولم أكمل بعد مقالتي (في ضيافة ماركيز) وسوف أضطر لتغيير المقالة أو عنوانها، فبعد رحيل المُضَيّف لا بدّ أن تتغير المقالة. رحل الذي كان حاضرًا معي منذ عام 2011 وحتى يومي هذا، وأنا أتوغل في المجتمع الذي كتب عنه وأدهشنا بما كتب.

وداعًا أيها الكبير فَمِنكَ ومن جميع الكبار تعلمت كيف أعيد وأمنهج قراءاتي، لأكتشف الكثير وأزيحت تلك الهالة على الأكثر وطنية وثقافة لتتضح لي حقيقتهم ومقدار مساهمتهم بوعي وبحسن نية في تدمير أوطاننا.

ماركيز ليس العلامة الفارقة المميزة في بلد أنهكته حروب المخدرات. إنما هو علامة فارقة في تاريخ الرواية العالمية. شخصية تعرفت عليها أكثر من خلال منجزها الكبير ومعايشتي للمجتمع الذي استمدّ كتاباته منه ومن بيئة الأنديز والأمازون. أشعر بالفخر أنني عشت في زمن عاش فيه هذا العملاق.


شاعر عراقي يقيم بالإكوادور

14