"زمن وضحة" لجميل السلحوت توصيف للجرح الفلسطيني

العادات والتقاليد غالبا ما تكون مادة خصبة للكتابة في اكتشاف لمنظوماتها البسيطة والمعقدة في نفس الوقت نظرا إلى قدرتها على تسيير وخلق وعي جمعي مسطح لا يمتاز بحركة أو فكر أو منطق بقدر ما له من بنية مغلقة وجاهزة، ولقد جاءت رواية جميل السلحوت “زمن وضحة” تعرية لهذه العادات وغوصا في أعماقها لمحاولة تفكيكها.
الأربعاء 2015/11/18
فئة مجتمعيّة غلب عليها الجهل والأميّة

رام الله - تدور الأحداث في رواية “زمن وضحة” للأديب المقدسيّ جميل السلحوت، في فترة ما قبل النّكبة وما بعدها، لتمثّل نقطة الفصل في زمن التّغيير بين ما هو كائن وما سيكون.

وترصد الرواية الصادرة عن مكتبة “كل شيء” بحيفا (2015)، التحولات في حقبة تاريخيّة لا يمكن تجاهلها أو محوها من الذّاكرة بعد أن ألقت بثقلها على المجتمع الفلسطينيّ بكلّ تبعاتها ومراحل سيرها.

ورغم أنّ النكبة الفلسطينية سنة 1948 هي الحدث الأبرز من الناحية التاريخيّة السياسيّة، إلا أنّ الكاتب لم يتناولها ولم يتطرّق إليها إلا بإشارات بسيطة، عندما تحدّث عن بكاء البطلة نسرين حين تذكّرت بلدتها المحتلّة ومعاناة أهلها في المخيّم، وذلك في إشارة إلى الفترة الزمنيّة لأحداث الرّواية.

وتلقي أحداث الرواية الضّوء على النّاحية الاجتماعيّة، ومنظومة العادات والتّقاليد والأعراف التي شكّلت نسيج المجتمع الرّيفيّ الفلسطينيّ، وحدّدت ثقافته وقيَمه، وبالتّالي سلوكاته، ومن هنا حدّد الكاتب المكان في الرّواية بالرّيف والقرى الفلسطينيّة، لكن دون تحديد قرية بعينها، فمجريات الأحداث كانت سائدة في المجتمع الريفيّ عامّة.

وقد بدأ الكاتب بوصف هذه الأحداث من خلال شخوص الرّواية أنفسهم، فكانت لغة الحوار هي الغالبة على الرّواية أكثر من السّرد أو ظهور شخصيّة الكاتب كراو للأحداث، فقد آثر الكاتب أن يترك لشخوص الرّواية إدارة الأحداث، لأنها تشكّل شخصياتهم وثقافتهم، وليس رأي الكاتب وقناعاته، لذلك غلبت اللهجة العاميّة الدّارجة على لغة الرّواية إلا في جمل قليلة ومحدودة جدّا.

تمثل رواية “زمن وضحة” الشّريحة المجتمعيّة التي غلب عليها الجهل والأميّة، حيث لا تتميز الشخصيات بثقافة فكريّة أو علميّة، فجاءت لغة الحوار والسّرد مباشرة بسيطة، تخللتها اللهجة المحكيّة الدّارجة، فكانت أقرب إلى لغة العامّة منها إلى قالب أدبيّ يتّسم بالبلاغة واللغة الأدبية الجزلة، ربّما لأنّ الكاتب عنِي بالمضمون والفكرة التي أراد إيصالها أكثر من لغة النّصّ. واهتمّ الكاتب بإلقاء الضّوء على العادات والقيم البالية، التي كان فيها من الظّلم والتّخلف والجهل ما جعل أفراد المجتمع ينساقون إليها دون دراية أو تفكير، أو تعليل بمنطق أو حجّة وبرهان.

ونالت المرأة النّصيب الأكبر من هذا الإهمال والتّهميش، ضمن ثقافة العيب والعار والواجب والطّاعة التي تربّى عليها المجتمع. وكان لها الحظّ الأوفر أيضا من ضياع حقوقها في اتّخاذ القرار، أو إبداء الرّأي أو المعارضة، أو حتى أبسط حقوقها في العلاج والزّواج والولادة بطريقة تضمن سلامتها، بالرّغم من أنّها تقوم بالأعمال المطلوبة منها وغير المطلوبة، في مجتمع ذكوري بامتياز.

وضحة في الرواية هي تلك الفتاة التي بدأت تتململ من مجتمعها بعاداته وتقاليده، ففي أعماقها بذرة التّمرد الرّافض لكلّ هذه الممارسات، ولكن ليس لديها القدرة على تحقيق تغيير يُذكر

ويشير الكاتب أيضا إلى ممارسات ساذجة، تنمّ عن مدى الجهل الذي خيّم على تلك المرحلة من علاج بالكيّ، وزواج الرّجل بأكثر من امرأة حتى دون سبب مقنع، وعدم قدرة الرّجل الممثل بشخصية حمدان على الاعتراض على رأي أبيه رغم عدم قناعته به، كرأي أبيه في عدم فتح بيت عزاء إذا كان الميّت امرأة.

هذه السّلوكات التي أجاد الكاتب طرحها، كانت كفيلة بأن تهزّ القارئ وتثير لديه حاسّة الانتقاد والرّفض لها، وتشعره بمدى الظّلم الواقع على المرأة، بل إن المرأة نفسها كانت شريكة في ظلم نفسها، من خلال تسليط الضّوء على الحماة المتسلطة طويلة اللسان، والأمّ التي تجبر ابنها وابنتها على فعل ما تمليه العادات والتّقاليد التي ورثتها رغما عنهما.

أما وضحة في الرواية، فهي تلك الفتاة التي بدأت تتململ من مجتمعها بعاداته وتقاليده، ففي أعماقها بذرة التّمرد الرّافض لكلّ هذه الممارسات، ولكن ليس لديها القدرة على تحقيق تغيير يُذكر سوى مواجهتها لوالدتها في بعض الأحيان، لتنصف زوجة أخيها من ظلم أمّها وشقيقها.

وكان لظهور الدكتور ممدوح وزوجته ريتا أعمق الأثر في هذا المجتمع القرويّ المغلق، فهما يمثّلان الشّريحة المتعلّمة والمثقّفة الدّاعية إلى التّغيير والتّطوير الفكريّ والعمليّ، فقد عمل على تفنيد بعض الممارسات الخاطئة من خلال عمله كطبيب، وتغيير أمور لم يعهدوها من قبل كعلاج المختار من غيبوبته بعد أن اعتقدوا أنّه عاد من الموت، وتغيير شخصيّة عارف الذي لولا الدّكتور ممدوح لظلّ مجنونا في قريته، وإثارة موضوع التّطوير العلميّ وإنشاء المدارس، وتزويد القرية بشبكة مواصلات تربطها بالمدينة التي كانت تمثّل الطبقة المتعلمة.

كما يبدأ التّغيير بزواج وضحة من سعيد، ومن هنا بدأت شخصيّتها تتخذ المسار الذي أرادته لنفسها، لا ما يمليه عليها والداها وعادات مجتمعها، ثم زواج زعرورة من حمدان التي أرادت هي الأخرى تقليد حياة وضحة.

15