"زنابق الماء" لوحة مونيه المرسومة بعدسة عين مريضة

الاثنين 2014/07/07
تأثيرات الضوء والظل ميزة الأعمال الانطباعية لكلود مونيه

لندن- لم تكن لوحة “زنابق الماء” لكلود مونيه التي بيعت مؤخرا بمبلغ 31.7 مليون جنيه إسترليني هي اللوحة الأغلى ثمنا في العالم، فهناك تسع لوحات بيعت بأسعار تتراوح بين 72.8 مليونا و142.1 مليون دولار أميركي، بينهما أربع لوحات لفرانسيس بيكون وبابلو بيكاسو، وأربع لوحات أخرى لإدوارد مونك، وغوستاف كليمت، ومارك روثكو، وفان كوخ إضافة إلى منحوتة للفنان ألبيرتو جياكوميتي. تُرى، ما الذي يميّز لوحة كلود مونيه كي تباع بمبلغ 55 مليون دولار أميركي؟

لا شك في أن كل اللوحات أعلاه تنتمي إلى عباقرة الفن التشكيلي الأوروبي على وجه التحديد، فحتى الفنان الأميركي مارك روثكو هو من أصول روسية، غير أن هذا التفرّد الأوروبي لا يقلل أبدا من أهمية الفن الأميركي وأساطينه، الذين وفدوا إلى العالم الجديد خلال القرون الثلاثة الأخيرة.

لا بدّ من الأخذ بنظر الاعتبار أن لوحة “زنابق الماء” هي واحدة من سلسلة اللوحات التي يقدّر عددها بـ250 لوحة، أنجزها مونيه خلال الثلاثين سنة الأخيرة من حياته، واللافت للانتباه أن مونيه قد رسم العديد من هذه اللوحات، بينما كان يعاني من مرض “الكاتاراكتس”، أي إعتام عدسة العين.

ينبغي التذكير بأن كلود مونيه هو رائد المدرسة الانطباعية أو “التأثرية” كما تسمّى في بعض الأحيان، بل إن اسم هذه الحركة الفنية مشتق من إحدى لوحاته المهمة التي تحمل عنوان “انطباع، شرق الشمس” التي أنجزها عام 1872.

إن الرغبة الملحّة لمونيه في توثيق الريف الفرنسي الذي كان يعيش فيه، أو يراه في بعض المناسبات العابرة هي التي دفعته إلى أن يتبنّى طريقة محددة لرسم المشهد عدة مرات من أجل الإمساك بتغيرات الضوء، وتعاقب الفصول.

ففي عام 1883 عاش مونيه في مدينة غفرني، ثم اشترى المنزل الكبير الذي استأجره أول مرة، وقام بعد ذلك بتنفيذ مشروعه الكبير في رسم المناظر الطبيعية الخلابة، ومن ضمنها بِرك الزنابق المبثوثة في فضاء الحديقة الواسعة، بحيث أصبحت “زنابق الماء” إحدى موضوعاته المفضلة على مدى ثلاثة عقود في أقل تقدير. إن المُدقق في أية لوحة انطباعية سيكتشف من دون عناء كبير أنها تقوم على نقل الواقع أو الحدث المُصوَّر من الطبيعة مباشرة، أي أن استعمال المخيلة يكاد يكون معدوما إلاّ في ما ندر.

وهذه حالة سلبية لا تُحسب لمصلحة الفنان الذي يروم الإتيان بشيء جديد ومبتكر وغير مطروق من قبل. إن نقل المشهد الواقعي يتطلب من الفنان الإسراع في عملية إنجاز اللوحة قبل أن تغيّر الشمس موضعها في السماء، وتؤثر على ثنائية الضوء والظل.

فالفنان يريد أن ينقل انطباعاته الحقيقية عن المشهد المراد تصويره من دون الحاجة إلى الإمساك بالتفاصيل الدقيقة، فالعمل الفني يجب أن يكون استنساخا ضوئيا للموضوع الواقعي المتجسد أمام عينيه. لذلك نرى أن غالبية اللوحات الانطباعية مُنجزة بضربات فرشاة سريعة وقصيرة، كما أن الألوان سميكة توحي بجوهر الثيمة ولا تلهث خلف التفاصيل.

لا يسعى الفنان الانطباعي إلى خلط الألوان، لأنه يهدف بالأساس إلى خلق سطح تصويري نابض بالحياة وشديد الحساسية، وهو ينتظر أن يحدث هذا الخلط البصري في عيني المتلقي لا على سطح اللوحة ذاتها.

ربما تكون الملاحظة الأكثر هيمنة في اللوحة الانطباعية أن خالقها لا يستعمل اللون الأسود، لكن الألوان الرمادية ودرجاتها اللونية تنجم عن الألوان التكميلية التي يضطر الفنان إلى استعمالها مُرغما.

يركز معظم الفنانين الانطباعيين على فترتي الصباح والمساء لاستثمار تأثيرات الضوء والظل. وعلى الرغم من كل الانعكاسات الضوئية، إلاّ أن اللوحة الانطباعية تظل في خاتمة المطاف معتمة ومنطوية على نوع من الإبهام السحري الغامض الذي تبدّده الانعكاسات الضوئية المُشعّة في بعض الأحيان.

لقد خرج الانطباعيون من المرسم إلى الطبيعة مستلهمين منها غالبية التقنيات التي توفرها عناصر النور والعتمة، ومع ذلك فهم يُجمِعون على أن الظلال الزرقاء المنعكسة على الثلج هي التي ألهمتهم هذه التقنية الجذّابة.

لم تنبثق شهرة مونيه من فراغ، ولم يصل إلى هذه المنزلة الرفيعة التي تُقتنى فيها لوحة “زنابق الماء” بـ55 مليون دولار أميركي لولا موهبته الكبيرة، وإصراره على المضي في مشروعه الإبداعي الذي كان يراهن عليه في معظم الأحوال.

ففي أواخر عام 1860 التقى مونيه بعدد من أقرانه الذين يشتركون في نفس المزاج، وذات الرؤية الفنية الانطباعية التي يؤمنون بها، لينظموا معرضهم الأول الذي يحتوي على أعمالهم التي رفضتها أكاديمية الفنون الجميلة وعرضوها على الملإ في أبريل 1872.

ولم يكن هدفهم الترويج لأعمالهم الفنية الانطباعية، وإنما ليحرروا أنفسهم من قيود واشتراطات صالون باريس المحافظ. وقد اشترك مونيه باثنتي عشرة لوحة من ضمنها “انطباع، شروق الشمس” ولوحة “مأدبة غداء” التي ذاع صيتها لاحقا.

لقد ضمّ معرض المرفوضات 165 عملا فنيا بيع أغلبها على الرغم من أسعارها الباهظة آنذاك، والتي كانت تتراوح بين 500 إلى 1000 فرنك فرنسي، وشتّان بين أسعار الأمس وأسعار اليوم.

16