"زنزانة" يعلن ميلاد موهبة إماراتية جديدة في الإخراج السينمائي

يثبت المخرج الإماراتي ماجد الأنصاري في فيلمه الروائي الطويل الأول “زنزانة” الذي عرض مؤخرا ضمن فعاليات مهرجان لندن السينمائي الـ59، أنه يمتلك موهبة سينمائية بصرية رفيعة، وأنه سيكون له شأن كبير في السينما العربية، شريطة أن يعتمد على سيناريوهات طموحة، مركبة ومتعددة المستويات.
الجمعة 2015/11/13
الفيلم يجرّد المكان-السجن من هويته

في فيلم “زنزانة” يبدو المخرج الإماراتي الشاب ماجد الأنصاري ابنا مخلصا لسينما المأزق العبثي التي يصبح البطل فيها سجينا لا يعرف سبب سجنه، ولا ماذا سيحدث له، ولا لماذا يتعرض لكل هذا التعذيب والتنكيل والتلاعب… إنه حبيس في لعبة عدمية تشبه لعبة الاختبار الممتد عبر الزمان، للإرادة الإنسانية وللوعي الإنساني والقدرة على تجاوز مأزق الوجود نفسه.

فيلم “زنزانة” اشترك في كتابة السيناريو له مع مخرجه ماجد الأنصاري، أربعة كتاب آخرون هم نضال المرة ورامي ياسين والزوجان لين وروكوس سكاي، وأنتجته شركة “إيماج ناشن” في أبوظبي.

مأزق اللابطل

الفيلم الذي يمكن من النظرة الأولى تصنيفه في إطار أفلام الإثارة والجريمة يبدو متجاوزا هذا النوع من الأفلام، إلى مزيج من الفيلم التشويقي وفيلم الرعب وفيلم الدراما النفسية والتعليق السياسي المستتر تحت جلد الصورة.

وقد صنفه بعض النقاد بأنه من نوع “الفيلم- نوار الجديد” بسبب أسلوبه الذي يميل إلى غلبة الإضاءة الخافتة، والألوان المعتمة، وانتشار الظلال داخل الموقع، وهو يدور في موقع واحد هو مركز للشرطة، وتحديدا داخل مكتب الضابط رئيس المركز، ونرى في داخله زنزانة (على غرار ما نراه في أفلام “الويسترن” الأميركية).

وربما لاعتبارات سياسية، جعل المخرج توقيت وقوع الأحداث في الثمانينات. نحن أمام شاب يدعى طلال (الممثل الفلسطيني صالح بكري) هو نموذج اللابطل يستيقظ بعد ليلة أفرط خلالها في تناول الخمر، وهو المدمن الذي هجرته زوجته وفاء (الممثلة السعودية عهد)، ليجد نفسه داخل الزنزانة، إنه لا يمكنه أن يؤكد شخصيته بعد أن فقد بطاقة هويته، كما لا يمكنه أن يعرف لماذا هو سجين هنا، وما هي تلك المشاجرة التي يشير إليها مأمور السجن عثمان الجالس أمامه في استرخاء (الممثل السعودي عبدالله أبوعبد).

يستجيب المأمور الذي يبدو وكأن لديه بعض من طيبة القلب، لتوسلات طلال، ويتصل بشرطية في منزلها يوم عطلتها هي عايدة (الممثلة السعودية ياسا)، ويطلب منها البحث عن بطاقة هوية يقول طلال إنه فقدها في مرأب السيارات، وفي حالة عثورها عليها تأتيه بها على الفور.

أحداث الفيلم ومواقفه تتصاعد بطريقة تدريجية لكي يحقق ماجد الأنصاري فكرة الكابوس السوريالي الذي لا تفسير له

ومع ذلك يصل قبلها إلى ذلك المكان الخانق ضابط يدعى دبان (الممثل الفلسطيني علي سليمان)، ويقول للمأمور عثمان إنه النائب من مركز شرطة في منطقة أخرى، وإنه قادم للتعرف ليس أكثر.. وفي مشهد مفاجئ يقوم بذبح عثمان بقطع رقبته بسكين، ثم يسحب جثته إلى داخل الحمام.

وبعد أن تصل عايدة يطلب منها كتابة لوحة تقول إن الحمام معطل ليقوم بتعليقها على الباب، ثم عن طريق التودد إلى عايدة ومغازلتها وهي التي تستجيب بطفولية واضحة لهذا النوع من المداعبات حتى لو كانت مجرّد حيلة خبيثة للسيطرة عليها وإخضاعها، يتفرغ دبان لتعذيب طلال تارة، وإغرائه بزجاجة خمر تارة أخرى، لكي يقبل أن يطبع بصماته على السكين الذي استخدمه في قتل عثمان، ويشهر المسدس في وجهه ويهدده بالقتل إذا رفض، أو بالذهاب إلى زوجته السابقة وفاء التي مازال يحبها، والاعتداء عليها.

عن طريق الحيلة والدهاء يتمكن طلال من جذب التليفون إليه داخل الزنزانة، ثم يتصل خلسة بوفاء يحذرها من الاستجابة لطلب دبان الذي اتصل بها قبله يطلب حضورها للتعرف على هوية ذلك الشخص الذي يزعم أنه كان زوجا لها، وأنه أنجب منها ولدا هو شهاب، لكن وفاء ترفض أن تصغي لطلال، وتعلن له أنها أصبحت الآن مخطوبة لرجل آخر.

يحاول طلال بشتى الطرق معرفة دوافع دبان لتعذيبه والنيل منه وارتكاب تلك الجرائم التي ستتسع لتشمل أيضا خطيب وفاء الذي يحضر إلى القسم لإخراج طلال بكفالة، كما يستعد دبان أيضا لقتل أعضاء لجنة التفتيش التي ستأتي لاستيضاح الأمر بعد أن يكون طلال قد اتصل طالبا النجدة. وعندما يصل شهاب ابن طلال، لكي يحاول رؤية والده، يصبح أسيرا في يد دبان يستخدمه في ممارسة مزيد من الضغوط على طلال ودفعه للانهيار.

الفيلم يعكس ولع مخرجه بالتلاعب بالنوع السينمائي، من خلال أسلوبه في استخدام الكاميرا من زوايا التصوير الغريبة وخصوصا الزوايا المرتفعة

أسلوب غرائبي

تتصاعد أحداث الفيلم ومواقفه بطريقة تدريجية لكي يحقق الأنصاري فكرة الكابوس السوريالي الذي لا تفسير له. صحيح أن هناك إشارة واضحة إلى ما يمارس في السجون العربية من إذلال وقمع لكل من يقع في أيدي رجال الشرطة، وصحيح أن الفيلم يجرد المكان من هويته، ويجعل من الممكن أن يقع الحدث في أي دولة من الدول العربية.

كما يستخدم المخرج أيضا طاقما من الممثلين متعددي الجنسيات من بلدان عربية مختلفة، وهو اختيار مقصود لإضفاء طابع يتجاوز الحدود ويشمل الجميع، إلاّ أن ما يجعل الفيلم عملا يتجاوز فكرة النقد السياسي وغمز واقع القهر العربي، هو ذلك الأسلوب التجريدي الغرائبي الذي يجعل الفيلم عملا أكثر كثافة.

الفيلم يعكس ولع مخرجه بالتلاعب بالنوع السينمائي، من خلال أسلوبه في استخدام الكاميرا من زوايا التصوير الغريبة وخصوصا الزوايا المرتفعة، والمونتاج الذي يحطم الصورة الثابتة للمكان الواحد، ولكن أساسا، ذلك الاستخدام البديع للممثلين وعلى رأسهم بالطبع علي سليمان (دبان) الذي يبدو حينا نموذجا هزليا، وحينا آخر نموذجا مرعبا وقاتلا لا حدود لشره، كما يكشف الفيلم عن شخصية رجل سادي سيكوباتي شديد الخطورة، ربما يكون مصابا بنوع خطير من الانحرافات النفسية؛ هل هو شيطان، أم إنسان؟ هل يمكن أن يكون وراء سلوكه دافع شخصي؟

بطبيعة الحال يظل من أفضل الجوانب في الشخصية ذلك التأرجح بين كل هذه النماذج والصور المختلفة رغم أن التفسير المباشر سيتضح قرب النهاية، وإن كان مخرج الفيلم يفضل الإبقاء على أجواء التوتر والإثارة والتشويق وينجح في التغلب على فكرة التصوير في ديكور واحد مغلق لا يغادره طوال ساعة ونصف الساعة هي زمن الفيلم.

أخيرا لا شك أن فيلم “زنزانة” هو إعلان مبكر عن الموهبة الكبيرة التي يتمتع بها مخرجه الذي يبدو هاضما لتيارات الفيلم غير النمطي، الذي يتميز بأسلوبيته الخاصة، وسوف يتعين علينا أن ننتظر بشوق، لكي نشاهد فيلمه التالي.

16