زها حديد في مبناها البيروتي

الأحد 2014/08/03
زها حديد تمتلك رؤية فنية معمارية رائعة

الآن لم يعد الكلام عن زها حديد ممكنا إلا إذا كان مديحا وتعبيرا عن الإعجاب بما أنجزته تلك المرأة الفريدة من نوعها في عصرنا والتي لا يتردد البعض عن وصفها بالمعجزة المعمارية. لقد انتهى الكثيرون إلى أسطرتها.


المحاطة برمزية حضورها


حديد نفسها تماهت من خلال سلوكها المغالي في نرجسيته واستعراضيته مع دورها نجمة عالمية، فكانت حريصة على أن تظهر مع رموز العالم المخملي، لا باعتبارها ضيفة عابرة، بل باعتبارها المحتفى بها دائما. كانت تحيط نفسها بالنجوم وهو ما يليق بموهبتها الفذة التي جسدتها مبان كثيرة موزعة بين مختلف مدن العالم.

ولأن زها التي تُقدم دائما كونها فنانة بريطانية، بالرغم من اعتزازها بأصلها العراقي (ولدت عام 1950) فإن الكثير من الاعتزاز العربي بما أنجزته من جهة كونه تعبيرا عن التفوق العربي كان يقف حاجزا دون النظر إلى أعمالها بطريقة نقدية منصفة ومحايدة. فالعرب في زمن انكسارهم العظيم هذا هم في أمسّ الحاجة إلى رموز عالمية يعوضون من خلالها خسائرهم الفادحة وهو ما وجدوه في حديد وكانوا محقين في ما انتهوا إليه.

كانت زها بشهرتها غير المسبوقة عربيا أكبر مما كان العرب يحلمون فيه. لقد نظروا إلى منجزها الفني الشخصي باعتباره نوعا من البطولة الجماعية. تأويل يمكن توقعه والنظر إليه بإشفاق لولا أن الفنانة كانت قد فشلت في إقناع حكومة بلادها بقبول مشاريعها المعمارية غير مرة من غير أن يتصدى أحد للدفاع عن حق العراق في أن يحتضن شيئا من علامات موهبة ابنته التي صارت نجما عالميا. سلوك متناقض دفعت ثمنه زها وهي تخسر المسابقة تلو الأخرى في بلاد غارقة في الفساد. وهو ما لم تتمكن زها من استيعابه بالرغم من أنها تربت في عائلة يسارية.

كان أبوها محمد حديد وزيرا للمالية في أول حكومة أنشئت بعد قيام الجمهورية في العراق عام 1958. سيُقال إن زها لا تفقه في السياسة شيئا، فهي متفرغة لفنها. وهو قول يتناقض تماما مع مبادئ الفلسفة التفكيكية التي تتبعها انطلاقا من جاك دريدا الذي كان بنفسه مناضلا تقدميا.

كان والدها محمد حديد وزيرا للمالية في أول حكومة أنشئت بعد قيام الجمهورية في العراق عام 1958. سيُقال إن زها لا تفقه في السياسة شيئا، فهي متفرغة لفنها. وهو قول يتناقض تماما مع مبادئ الفلسفة التفكيكية التي تتبعها انطلاقا من جاك دريدا الذي كان بنفسه مناضلا تقدميا


الصنعة التي تغلبت على العاطفة


ولكن ما ينبغي أن ننتبه إليه هو أن شكلانية زها حديد في العمارة تنسجم مع تفكيرها العملي بكل ما ينطوي عليه ذلك التفكير من نفعية مهنية مبيتة. فهي لا ترى في العراق إلا مصدرا للربح، خزانة يمكنها أن تمول مشاريعها المعمارية. لا فرق في ذلك بينه وبين الصين وإيطاليا وقطر. مكان تقيم عليه إنشاءاتها المحايدة، بغض النظر عن المحمول العاطفي الذي لا يشكل بالنسبة إليها جزءا من الصنعة.

في كل ما تقوله زها عن العراق ما من شيء يميزها عن السائح العابر. تبدو المرأة عاجزة عن التعبير عن أفكارها بالعربية، بالرغم من أنها كانت قد أكملت دراستها الجامعية في بيروت بعد الثانوية في بغداد. لذلك لا أعتقد أنها تنظر إلى المبنى الذي أقامته في الجامعة الأميركية ببيروت من جهة دلالته العاطفية، كونه ينطوي على إشارة خارقة إلى عودتها المظفرة إلى المكان الذي قضت فيه أربع سنوات دراسية.

تنظر زها إلى ما تقوم به بطريقة عملية. فمثلما لا تقيم أبنيتها صلة بالمكان الذي تقام عليه فإنها شخصيا لا تكترث بما يتوقعه الآخرون منها من شعور عاطفي. لا تنشئ إلا أبنية صماء تستلهم جمالياتها من حركة أشكالها كما هو الحال في رسوم مالفيتش، الرسام الروسي الذي كان واحدا من أهم مراجع التفكيكية.

سيُقال إن الهامشي أخذني بعيدا عن الظاهرة الفنية ويمكنني أن أضع حدا لريبتي لولا أن المبنى البيروتي كان يعمق شعور المكان التاريخي وهو الجامعة الأميركية في بيروت بالحرج وهو يواجه إملاءات جديدة مصدرها تغير الفضاء من حوله بسبب سقوط ذلك الكائن الغريب عليه من مكان مجهول. لقد صنعت زها مبنى يبدو كما لو أنه ملقى من الفضاء ولم يطلع من الأرض. وهو ديدنها دائما إذ أن إنشاءاتها لا تقيم علاقة حميمية بالمكان الذي يحتضنها.

ملعب الوكرة في قطر مثال صارخ على ذلك الانفصال الذي أدى في وقت سابق إلى خسارة زها فرصة إنشاء مسجد في الكويت، بعد اعتراضات شعبية أجبرت الحكومة على التراجع عن إقامة ذلك المشروع حين رأى فيه الكثيرون نوعا مبتذلا من الإساءة إلى فكرة المسجد

وقد يكون ملعب الوكرة في قطر مثالا صارخا على ذلك الانفصال الذي أدى في وقت سابق إلى خسارة زها فرصة إنشاء مسجد في الكويت، بعد اعتراضات شعبية أجبرت الحكومة على التراجع عن إقامة ذلك المشروع.

لقد رأى فيه الكثيرون نوعا مبتذلا من الإساءة إلى فكرة المسجد حيث قدمت زها مجموعة من المفردات المعمارية ذات التاريخ الديني الراسخ كالقبة والمئذنة والمحراب مفككة، لا يتصل بعضها بالبعض الآخر إلا عن طريق خطوط وهمية، كانت الفنانة قد ضخت فيها وعيها لجمال، كاد يكون كارثيا.

لقد فككت حديد بجرأة تحسد عليها المكان الذي يجمع المسلمون على قدسيته. كانت تجربة فاشلة، غير أنها تكشف عن طريقة زها حديد في التفكير المعماري الذي لا يكترث بالمحيط. وهو ما تدافع عنه الفنانة باستبسال.


كما لو أنها تذكرت نسويتها


ردت زها حديد بغضب على اتهامها بتصميم ملعب الوكرة القطري المخصص لمباريات كأس العالم عام 2022 على شكل عضو تناسلي أنثوي وقالت “إن تلك المزاعم محرجة وجوفاء”. وأضافت “إن من ينتقدون عملي يعتبرون أن كل فتحة تماثل فرج المرأة”.

غير أن اللافت في ردها أنها ختمته بالقول “لو أن رجلا عمل على تصميم الملعب لما خرج النقاد بمثل هذه المقارنة الوقحة”.

المعمارية التي اعتادت أن تقابل بالمديح لم تدافع عن مشروعها إلا عن طريق اللجوء إلى المظلمة النسوية. وهو سلاح يكشف عن تماهيها المطلق مع ما تبقى من أساليب مرحلة ما بعد الحداثة القائمة على مهاجمة الآخرين، من جهة كونهم من مخلفات عصر الحداثة وما قبله.


الجملة النشاز في موسيقى التاريخ


أعود إلى مبنى عصام فارس للسياسات العامّة والشّؤون الدّوليّة الذي ارتفع حديثاً في حرم الجامعة الأميركية وهو من تصميم زها حديد. وصفه البعض بأنه باخِرة باطونيّة تزيّنها بعض النوافذ الملتوية. شبهه آخرون بعربة المُشتريات. مبنىً يمتدّ على مساحة سطحيّة تفوق الثلاثة آلاف متر مربّع بارتفاع ستّة طوابق، يقع اثنان منها تحت الأرض.

مبنى عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية الذي ارتفع حديثا في حرم الجامعة الأميركية في بيروت من تصميم زها حديد. وصفه البعض بأنه باخِرة باطونية تزينها بعض النوافذ الملتوية. شبهه آخرون بعربة المشتريات

لا يختلف المبنى الجديد عن المباني السابقة التي صممتها زها حديد من جهة تجسيده لنزعتها التجزيئية. وهو ما يمكن أن يكون ملهما لإرباك بصري، تكون من خلاله الصدمة التي تحلم الفنانة في الوصول إليها قد تحققت. تعرف زها كيف تلعب بأعصاب المشاهدين لكي ترضي ميولها إلى تدمير ذاكرتهم البصرية.

ولكن المكان هذه المرة قد يخذلها. فالمباني التي تحيط بمبناها يعود إنشاؤها إلى ما قبل مئة سنة. وهو أمر كما يبدو لي لم تحتط له. وهو بالتأكيد لا يشكل هاجسا ملحا بالنسبة إليها وهي التي بنت شهرتها على رغبة لا تخفى في التحليق.

ولأني أعرف المكان جيدا فإني أشك في قدرة المبنى الجديد على الدفاع عن قبحه. ربما أنه سيكشف عن خفايا جماله لو أنه أقيم في مكان آخر، مكان لا يجعله يبدو كما لو أنه الجملة النشاز في معزوفة موسيقية هائلة تآلفت المباني التاريخية والحدائق من أجل دوزنة أصواتها.

إعلاميا يبدو الحدث مثيرا للاهتمام. لقد أنجزت زها حديد حلم بيروت في أن تحتضن واحدا من أعمالها. ولكن ما ينقص ذلك الحلم أن ذلك العمل قد أخطأ مكانه. لو أنه أقيم في الـ”داون تاون” لكانت له قيمة جمالية مختلفة. ولكنه في موقعه الحالي سيكون مصدر خلخلة بصرية سيطول أمدها. ستزول السكرة كما يقال لنسمع صوتا يتساءل بحرقة “ما هذا المبنى القبيح؟” وهو ما لا تستحقه زها حديد بالتأكيد.

8