زها حديد لم تحمل طفلا فالإبداع طفلها الوحيد

الخميس 2016/04/07

إذا كانت الراحلة زها حديد قد صممت ألف مشروع في أربعين بلدا منها السعودية والإمارات وقطر والمغرب، وكانت تدير شركة يعمل تحت إدارتها 400 متخصص في الهندسة بكلفة سنوية تقدر بـ44 مليون باوند، فمن الطبيعي أن هذه العبقرية العراقية لم تحمل طفلا بين ذراعيها، كان الإبداع ولدها الوحيد.

عاشت عزباء لا يتوقف ذهنها عن التفكير في العمل، وماتت بسكتة قلبية من الإرهاق، فالأمر يبدو هنا كما قال جدها المتنبي “وإذا كانت النفوس كبارا/ تعبت من مرادها الأجسادُ”.

ما يقوله عنها المتخصصون الكبار بأنها رحلت في بداية الطريق رغم عظمة ما أنجزته، فهي أعظم رابع معماري ينال الميدالية الذهبية للمملكة المتحدة. لقد وضعت اسمها بين الأسماء الكبرى في فن المعمار إلا أن الرحيل في سن 65 يعتبر مبكرا جدا في هذا المجال. فلا توجد طفرات في هذا التخصص لأنه صعب ويحتاج إلى تراكم خبرات طويلة. وعادة ما يستمر العطاء في المراحل المتقدمة من العمر. خسارة عالمية كبيرة الرحيل المبكر لدماغ بهذه القدرات.

زها عراقية بمعنى الكلمة فهي مولودة في بغداد عام 1950 ولم تغادره حتى إكمال المرحلة الثانوية. أي أن كل ما هو متعلق بتكوين الشخصية والوعي الأهم قد تشكل هناك من ماء العراق وطينه. المختلف في زها أنها لم تُضع الكثير من الوقت حين خرجت من بلادها، فقد درست الرياضيات في الجامعة الأميركية ببيروت، ثم دخلت الهندسة المعمارية في لندن.

بكل أسف لا أستطيع كتابة دراسة متخصصة عن فنها كما يشجع الوزير الإماراتي أنور قرقاش حيث قال “هل سيغطي الإعلام العربي بحرفية ومعرفة سيرة المبدعة الراحلة زها حديد؟ أم سنراه متكلسا متكاسلا في مساحات الأزمات السياسية التي حبس نفسه فيها؟”، ربما المتخصصون بالهندسة والنقد المعماري يسمعون دعوة الوزير الإماراتي ويمتلكون الأدوات لتلك الكتابة المتخصصة التي هي بعيدة المنال عن أمثالنا من الكتاب البسطاء.

ترحل زها ومدينة أسلافها الموصل بيد الدواعش، ومسقط رأسها بغداد بيد الميليشيات وإيران. إن المدن التي ساهمت في جعل هذه العبقرية ممكنة، تتعرض لغزو بربري على يد أبشع الهادمين للحضارة والهوية العربية هذه الأيام.

وإذا كانت الإمارات قد أطفأت الأضواء على الجسر الباهر الذي صممته زها في أبوظبي تأبينا وحزنا، فإن الأضواء في الموصل وبغداد تنطفئ لفترات طويلة بسبب ظلام العقول التي هيمنت على البلاد بعد احتلال العراق. وكم من طفلة موصلية وبغدادية بموهبة زها وعبقريتها ذبحتها سكاكين الدواعش والميليشيات بغير ذنب.

الراحلة كانت تصمم المباني بطريقة فريدة وكأنها قادمة من المستقبل، من عصر لم يبدأ بعد. تبدو وكأنها بنايات في حالة حركة، وأشكالها غريبة كالمنحنيات والدوائر والانعطافات التي تأخذ معها الأنفاس.

سمعنا كلمة تأبين من الرئيس العراقي فؤاد معصوم بهذا المصاب، وقد وقف البرلمان العراقي دقيقة صمت تكريما لرحيلها. إلا أن الحكومة العراقية لم تكرم نفسها ووطنها ونساءها والعاصمة بغداد ببناء من تصميم الراحلة زها حديد كما فعلت دول عربية ناجحة كالسعودية مثلا.

شهد العالم كلمات تأبين كبيرة من شخصيات بريطانية ويابانية وألمانية وصينية وفرنسية متخصصة في فن الهندسة المعمارية. الراحلة زها كرمت نفسها بنفسها من خلال هذه الطاقة التي حملتها بعناد، وطوعت بها الإسمنت والحديد، وجعلت من مفاخر الدول والأمم العظمى جزءا من مفاخرها وخيالها.

لقد استمعت إلى كلماتها بوجهها العراقي القوي، وعينيها الواسعتين الثابتتين، ومنحتني الثقة بالإنسان العراقي والإبداع. فهي لا تهتز وترفض الحديث عن شيء آخر سوى العمل. تقول إنها أبدا لا تخلو مع نفسها حتى في السرير فهي مأهولة أبدا بإبداعها. لا شك بأنها أتعبت قلبها كثيرا بهذا الطموح العالي المشرف.

ليس من الخطأ القول بأنها من أهم المعماريين في العالم، لأنها فازت بأرفع الجوائز الخاصة بهذا الفن، وهي بكل تأكيد أهم معمارية على الإطلاق بين نساء العالمين، وأيضا أهم عقل معماري عربي وصل إلى أعلى درجة ممكنة في تحويل الفضاء إلى معالم وروائع باقية لزمن طويل. فهي مدرسة، وصاحبة أسلوب، وروح مؤثرة في عصرنا والعصور القادمة. يا فتيات بغداد وَيا فتيات الموصل والعراق؛ هذه زها من أعظم الرموز التي تبعث فيكن الطموح نحو الحرية والعلم والتفوق.

نحتاج إلى نموذج من خارج الفضاء العراقي الجنائزي المسموم، نموذج صحي وعراقي أصيل مثل زها لإلهام الشعب العراقي وبعث الروح فيه من جديد، خصوصا وأن الإسلام السياسي قد حوّل الرموز الدينية إلى مصدر كراهية واحتراب وفرقة. نحتاج إلى زها كنموذج يتجاوز النقشبنديات والزينبيات والداعشيات إلى فضاء أبعد؛ فضاء الطموح الأوسع والسلام. خصوصا وأن زها حديد قد تم تكريمها كإحدى رموز السلام في العالم.

وداعا زها.

كاتب عراقي

8