زها حديد.. وإشكالية الهوية

الأربعاء 2016/04/13

أثار الموت المبكر المفاجئ لزها حديد، سيدة المعمار الفذة الآتية من بلاد ما بين النهرين، عاصفة من الكتابات التي غطت مساحات واسعة من الإعلام العالمي.

وكان من الطبيعي أن يلقى فقدانها صدى مماثلا في العالم العربي مع أنه لم يعرفها على مستوى واسع بطبيعة الحال نظرا لما هي عليه أحوالنا.

فميدان العمارة وعالمها ليسا من نقاط القوة ولا من المواضيع المهمة، في عالم عربي ممزق بين العنف والتشرد والتعصب والتدين الشكلي. أما الإبداع فهو من نصيب الناجين الذين نفذوا بجلودهم بعيدا عن هذه الأرض الطاردة لكل مبدع أو باحث عن الحرية.

فهل كانت زها حديد التي ودعناها في آخر يوم من مارس ستكون ما هي عليه لو بقيت في العالم العربي؟

هل كنا سنعاين ألفا من أعمالها الهندسية المنتشرة في أهم مدن المعمورة منتصبة مثل أجمل المنحوتات الآتية من كوكب مجهول فتحت لنا نافذة لنطل عليه؟ سبق لأستاذها كولهاس أن وصفها بأنها “كوكب يدور في مجرة وحده”. ليس لخيالها من حدود. كأن عمارتها تنتمي إلى عالم الخيال العلمي.

هذه الأميرة الآتية من بلاد ما بين النهرين حاملة معها ذاكرة الطين لتنصبها عمارة حديثة الأشكال لا تعترف بزوايا أو حدود، ولا بقسوة حجر الغرانيت الذي نحتت زواياه وصقلتها ناعمة. مذهلة هذه العبقرية كيف استطاعت أن تلوي الإسمنت كأنه معجون فتجعله بليونة المطاط، وتسكبه بشفافية الماء المنساب مطواعا على شكل منحنيات واستدارات تعرّف عادة بأنها أنثوية.

أطلق علماء الهندسة المعمارية على نهج زها حديد اسم “التجريد الديناميكي”، الذي هدم أسس الهندسة الإقليديسية (نسبة إلى إقليدس) عبر تفكيك المنشآت إلى أجزاء؛ في تحد للجاذبية الأرضية وللهندسة التقليدية، من خلال الإصرار على الأسقف والقمرات الطائرة والأجنحة، مع الحفاظ على ديناميكيته وانسجامه وتناغمه مع المحيط.

ولدت زها حديد وعاشت في عصر بغداد الذهبي حيث “التزاوج بين القديم والحديث، بين التقاليد والعصرنة والإبداع” (كما قالت).

عراق فترة الخمسينات، وفي زمن الحريات والعلمانية والغنى الفكري والإبداع الأدبي والفني، رفض تسجيلها في اختصاص الهندسة فغادرت قبل أن يتكشف عن عالم عربي شقي طارد للمواهب و معوقها. وآخر نماذج خيباتنا عدم تبني الحكومة ترشيح غسان سلامة للأمانة العامة لليونسكو.

منذ السادسة من عمرها انبهرت بالأشكال والأشياء التي شاهدتها في معرض أقيم لفرانك لويدرايت في دار الأوبرا في بغداد، حيث اصطحبها والداها. وهذا يؤشر على أهمية التربية التي تلقتها وتأثيرها في سيرورتها، ففي حديث لها أشارت إلى أهمية والديها في حياتها، والدها الاشتراكي والعصري والمنفتح الذي أعطاها حرية اختيار ما تشاء؛ ووالدتها التي سمحت لها بالتمرد على الأعراف والتي تصفها “بالليبرالية جداً ولولا مساندتها لما استطعت تحقيق شيء”.

ومع تأكيدها على عراقيتها، تشير إلى أنها لم تتلق تربية عربية بالمفهوم التقليدي بل تربية عصرية لوالدين مستنيرين ألهماها وأيقظا طموحها وشجعاها على الثقة بإحساسها. لذا تجد أن نجاحها “ربما يعود إلى شخصيتي القوية والمنطلقة أكثر مما يعود إلى هويتي أو كوني امرأة”. إنها من العالم المعاصر مفتوح الحدود “أنا عراقية.. أعيش في لندن.. وليس لدي مكان واحد مستقر، لهذا أعتقد أن أي واحد في موقفي أو مكاني عليه أن يعيد صياغة نفسه أو صياغة عالم خاص به”.

لذا ليس علينا أن نجادل حول هويتها، هي تقبل أنها امرأة وعراقية وعربية وتستمتع ببريطانيتها وما وفرته لها، لكنها، قبل هذا وذاك، كائن فرد متميز بنفسه وبهويته الفردية قبل الهويات الجماعية.

عانت كأي مبدع مجدد لفرض نفسها على عالم عمارة ذكوري وتقليدي محافظ؛ عانت من رفض تصميمها لمبنى كارديف أو الأوبرا الجديدة لعاصمة ويلز؛ فلم يلق الدعم المالي الكافي للطبيعة المحافظة للمنطقة.

فطالما قيل إن تصميماتها ستبقى مرسومة بالحلم وعلى الورق فقط، بمعنى أنها مشاريع ذهنية غير ممكنة التنفيذ. غير أنها تحدت ذلك بعزيمتها وبدل أوبرا كارديف بنت دار الأوبرا في غوانزوا، جنوب الصين، التي أرادت أن تفخر، إلى جانب نجاحها الاقتصادي بإنجاز ثورة ثقافية أيضا من خلال معمار متميز.

صممت مبنى الأوبرا، كما شرح وين كون بو، المدير التنفيذي للمشروع، “كي يبدو شكلها الخارجي وكأنه استعارة مجازية لحصى رمتها مياه بحيرة بيرل لتشكل دار الأوبرا.. فقد أردنا أن تكون كيانا ديناميكيا، وكأنه تم تجميع الحصى وجرها إلى اليابسة وكأنها تشكلت بفعل عوامل الريح والماء، حتى تكون العلاقة بينها وبين البحيرة قوية”.

لفهم هذه الفكرة لا بد من ربطها بحديث زها عن طفولتها مع والديها “أذكر إجازاتنا في منطقة الأهوار، جنوب العراق، التي كنا نسافر إليها عبر مركب صغير، كنت أنبهر بطبيعتها، وخصوصا بانسياب الرمل والماء والحياة البرية التي تمتد على مرمى العين، فتضم كـل شيء حتى البنايات والناس. أعتقد أن هـذا العنصر المستوحى من الطبيعة وتمازجها مع العالم الحضري، ينسحب على أعمالي، فأنا أحاول دائما التقاط تلك الانسيابية في سياق حضري عصري”.

تريد أن تخلق عالما منسجما ومن هنا إجابتها عن المشروع الذي تتمنى تحقيقه في الشرق الأوسط “أتمنى لو تتاح لي فرصة بناء حي حضري كامل أوظف فيه كل ما تعلمته عن تصميم الأماكن العامة المغلقة والمفتوحة على مستوى ضخم، ولا أقصد هنا تصميم بنايات وبيوت فقط، بل أيضا مطاعم وفنادق”.

مع كل خلفيتها الذاتية المساعدة والمشجعة، ومهما قلنا عن علمانية الغرب وتعدديته وقبول الاختلاف وعن قبوله شخصية الكائن الفرد، لم يكن سهلا مشوار زها حديد للوصـول إلى القمـة.

لقـد عانت على صعد عدة وكافحت طوال 40 عاما كي تصبح أول امرأة تنال جائزة بريتزكر، التي تعادل في قيمتها جائزة نوبل في الآداب.

تصف الحيـاة بالصعبـة والمتقلبة وتحتاج إلى تعـب كبير خصوصـا كونها امرأة وعربية أيضـا “لـو كنت أميـركيـة لكانت مشاريعي مرحّبا بها وتفتح لها الأبواب”. وعندما أطلـق عليها لقب “ديفـا” عند افتتاح مركز سينسيناتي للفن المعاصر، كان موظفوها يرتدون قمصانا كتب عليها “وهل كانوا سيسمونني ديفا لو كنت رجلا؟”.

ومع أنها تذكر انعدام الفروقات بين الرجل والمرأة عموما على الصعيد اليومي في الغرب، إلا أنها تردف “لكن يجب أن أشير هنا إلى أن الفوارق بين الجنسين تبدأ بالظهور على السطح، كلما تقدم الشخص في الدراسة أو العمل، وهنا تبدأ الصعوبة بالنسبة إلى المرأة”. يعني يطبق عدم التمييز ضد المرأة طالما أنها لا تطلب الريادة أو القيادة.

نجحت زها حديد في التحدي وتركت خلفها إرثا منوعا من تصاميم هندسية وعمارة إلى الأثاث والمجوهرات والملابس والأحذية…وربما تكون السيدة الآتية من بلاد ما بين النهرين قد افتتحت عصرا هندسيا جديدا.

كاتبة لبنانية

9