زهران علوش الذي أطلق الأسد سراحه لتبدأ عسكرة الثورة

السبت 2015/02/28
علوش سجين سابق وداعية ومقاول وقائد جيش

سجين إسلامي سوري سابق، ابن داعية إسلامي سلفي مشهور، أطلق النظام سراحه في وقت مبكر بعد انطلاق الثورة فبدأت عسكرتها، صار قائداً عسكرياً لجبهة “سياسية عسكرية” ذات طابع إسلامي تضم 60 ألف مقاتل، وصفه بعض المعارضين بأنه العنوان الذي انتظروه طويلاً من القوى الإسلامية، بينما اتهمه البعض بأنه على علاقة وثيقة مع النظام، وقال بعض الناشطين بأنه بطل الانسحابات التكتيكية، فيما أكّد آخرون أنه قائد صلب صمد مع مقاتليه ثلاث سنوات دون أن يهرب.

شتم الديمقراطية وطالب بالإسلام مرجعاً وناظماً للفرد والدولة، وبرر البعض موقفه بأن الديمقراطية الغربية لم تستطع لجم النظام. لا أحد يعرف مصادر تمويله الكثيرة والمتعددة، ولا ماذا تحتوي مستودعاته المنتشرة في سوريا، عمل على سحق منافسيه، وربّى مقاتليه على السمع والطاعة، واغتنم ذخائر وأسلحة لم يستخدم منها حتى الآن رأس دبوس.

محمد زهران بن عبدالله علوش والملقب بأبو عبدالله من مواليد مدينة دوما في ريف دمشق عام 1970، متزوج من ثلاث نساء، والده رجل دين من الداعين لمنهج أهل السنة والجماعة سلفي، ويُعتبر من أهم المشايخ في الغوطة الشرقية في ريف دمشق.


الشريعة والمقاولات


تأثر بوالده فالتحق بكلية الشريعة في جامعة دمشق، ثم أكمل الدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية، ودرس الماجستير في كلية الشريعة بجامعة دمشق، وكان قبل الثورة يعمل في مجال المقاولات.

قيل إنه كان له دور في فترة ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق في توريد العديد من الجهاديين إلى العراق عبر سوريا إلى جانب عدد ممّن استثمرهم النظام بشكل مباشر في هذه المهمة كأبي القعقاع، متوافقاً مع الحاجة السورية آنذاك لإقلاق الوجود الأميركي في العراق، وحافظ على صلة منتظمة منذ ذلك الحين مع التنظيمات الجهادية في العراق.

تابعه النظام منذ عام 1987 حتى توقيفه مطلع 2009 في أفرع المخابرات، إلى أن استقر في سجن صيدنايا العسكري، وعندما قامت الثورة في مارس 2011 كان مسجوناً بسبب نشاطه الديني والدعوي الذي كان يمارسه في سوريا.

خرج من السجن في يونيو 2011 مع إسلاميين ومتشددين آخرين، أي بعد ثلاثة أشهر من انطلاق الثورة، وفور خروجه من السجن قال إن هذا النظام لا يمكن إسقاطه إلا بالقوة، فعمل فوراً على تأسيس قوة عسكرية كان اسمها في بدايتها سرية الإسلام، ثم تطورت إلى أن صارت لواء الإسلام.

العفو الذي خرج بموجبه من أبواب سجن صيدنايا مع أكثر من 1500 معتقل من جماعات متطرفة وسلفية مختلفة، يعتبره الكثيرون نقطة التحول التي مهّدت فعليا لنشر عسكرة الثورة وأسلمتها في المناطق السورية المختلفة.

جبهة زهران علوش تضم سبع قوى مسلحة أساسية، جميعها يحمل توجهات إسلامية، تتدرج بين الإسلام المعتدل والمتشدد والسلفي، وهو ما هدد وجود الجيش السوري الحر

توسع لواء الإسلام بسرعة قياسية، وأصبح يضم نحو عشرة آلاف مقاتل ومجلس قيادة وافتتح 23 مكتباً إدارياً باختصاصات مختلفة، خدمية وإدارية وإعلامية، وافتتح قناة فضائية إضافة إلى تدشينه لصناعات عسكرية لإعادة تأهيل الغنائم من عتاد النظام، وتلقى دعماً مالياً وعسكرياً إشكالياً، وأحياناً من دول غير متفقة مع بعضها، ويقول البعض إن تنظيمات وجمعيات سلفية تموّله أيضاً بالإضافة إلى بعض البورجوازية الدمشقية التي تريد حجز مكان للمستقبل.


جيش الإسلام


شكّل القائد العسكري الشاب فيما بعد محوراً له مرجعية سياسية موحدة تنادي بحكم الشريعة وإقامة دولة إسلامية تحت مسمى جبهة تحرير سوريا الإسلامية، قبل أن يعلن توحيد عشرات الفصائل ضمن ما يسمى “جيش الإسلام” الذي ضم نحو 30 ألف مقاتل، ثم اندمج ليشكل الجبهة الإسلامية التي ارتبكت المعارضة السورية في توصيفها.

وصفها برهان غليون، المفكر الليبرالي والقيادي في ائتلاف المعارضة بأنها خطوة مهمة لتوحيد قوى الثورة لمواجهة تزايد القوات الأجنبية العاملة إلى جانب النظام، ومواجهة تفاقم خطر الجماعات المتطرفة المعادية للثورة، ووصفها زهير سالم، الناطق باسم الإخوان المسلمين في سوريا بأنها العنوان الذي انتظرناه طويلاً من القوى الإسلامية، وأعرب عن أمله أن تكون المظلة الجامعة لاستيعاب كل الرؤى والتطلعات، لكن ليس كل المعارضة السورية مؤيدة لهذه الجبهة فالعديد حذّروا من خطرها على مستقبل الثورة حالياً وعلى مستقبل سوريا لاحقاً بما تمثله من فكر ديني وقوة عسكرية.

تضم جبهته 7 قوى مسلحة أساسية، جميعها تحمل توجهات إسلامية، تتدرج بين الإسلام المعتدل والمتشدد والسلفي، وهو ما هدد وجود الجيش السوري الحر، وأعلنت أن أهدافها إسقاط النظام الأسدي في سوريا إسقاطاً كاملاً، وهو ما هدد النظام، وأن غايتها بناء دولة إسلامية راشدة تكون فيها السيادة لله مرجعاً وحاكماً وناظماً للفرد والدولة، وهو ما هدد سوريا كلها.

تقارير مسربة تنسب دورا لعلوش فترة ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق في توريد العديد من الجهاديين إلى العراق عبر سوريا إلى جانب عدد ممن استثمرهم النظام بشكل مباشر في هذه المهمة كأبي القعقاع

أثارت بعض أطراف المعارضة السورية شبهات حول علاقة الرجل بالنظام السوري، وتساءلت عن سبب إطلاق سراحه وهو المعروف بعلاقته بالجهاديين وبالقاعدة، وقال بعضهم إن إطلاق سراحه كان مشروطاً بالعمل مع النظام ثم تمرد ليبدأ العمل المسلح لتحقيق دولته الإسلامية، فيما يقول المعارض البارز ميشيل كيلو علوش للنظام وقال إن النظام أطلق سراحه لأنه كان مُعوّلاً على أن يساهم في تحويل الثورة إلى اقتتال طائفي.

بالمقابل، لا يمكن نكران أن الرجل مازال يعيش مع مقاتليه في حصار وظروف غاية في السوء منذ ما يقارب الثلاث سنوات، لم يستطع النظام خلالها التقدم عشرة أمتار في المنطقة التي يحكم السيطرة عليها، رغم أن الحمم تنزل عليهم ليل نهار، وقصفهم النظام بالأسلحة الكيميائية، ولم تتوقف يوماً واحداً مدفعيات النظام المتموضعة بجبل قاسيون عن قصف منطقته منذ ثلاث سنوات وحتى اللحظة، ورفض التحالف مع تنظيم الدولة الإسلامية الذي تقول المعارضة إنه أحد أدوات النظام، وأعلن أنه سيقاتله.

ارتبط علوش بعلاقات جيدة مع مجموعة من قادة الفصائل الإسلامية الكبرى من الذين قضى معهم فترة اعتقاله في سجن صيدنايا، ولعبت علاقته القديمة بالدعاة السلفيين الميالين للعمل الجهادي دوراً مهماً في تكوينه العقائدي وفي تغطية جزء من نشاطه العسكري، لكن هذا لم يثنه عن خطة الاستئثار بالسلطة في الغوطة وسحق الفصائل الأخرى، وقد اغتيل عدة قادة كتائب عسكرية معارضة في مناطق نفوذه ومناطق متاخمة لها بالتزامن مع إعلانه عن بدء عملية “تطهير البلاد من رجس الفساد”.

الشروط التي ربّى مقاتليه عليها لا تختلف عن شروط “قراقوش”، فالمطلوب بالترتيب “السمع والطاعة” ثم “الصدق والالتزام والتحلي بالأخلاق والدين” ثم تأتي مهارات القتال والولاء للوطن وغيرها من الصغائر، أما تحقيق أهداف الثورة فليس على قائمة شروطه، وعليه فإمارته ليست إسلامية تقليدية، إنما إمارة السمع والطاعة، وفيما تبقى من هامش يمكن أن تكون إسلامية الهوى.

قائد جيش الإسلام يعمل طيلة الوقت على سحق منافسيه، مربيا مقاتليه على السمع والطاعة، واغتنام ذخائر وأسلحة لم يستخدم منها حتى الآن رأس دبوس

اغتنم “جيشه” أسلحة وفيرة من قوات النظام، بما فيها مستودعات أسلحة كاملة ودبابات ومدرعات وصواريخ حرارية و8 منظومات دفاع جوي لم تُستخدم في صدّ أي هجوم بالطيران على الغوطة الشرقية، ولا يعرف أحد كم لديه من مستودعات أسلحة، ولا ما لديه في عشرات المستودعات المنتشرة في عموم سوريا، لكن أهالي دوما يعرفون ماذا يوجد في بعض مستودعاته، فقد اقتحموا مستودعات جيشه مطلع العام الماضي في المدينة وتبيّن أنها مليئة بالأغذية فيما كان يعاني أهالي المنطقة من المجاعة، فخرجت مظاهرات ضده، كما قيل إن أحد السجناء في سجن القضاء الموحد في دوما التابع له تمكّن من الفرار وهو متهم بسرقة مستودع للذخيرة قيمته ستة ملايين دولار.

انتقد الديمقراطية على النمط الغربي وشتمها جملة وتفصيلاً بل ووضعها تحت قدميه، واستشهد لدعم موقفه بقراءته لابن خلدون التي تنص على أن العرب لا تقوم لهم قائمة إلا بصفتهم الدينية. وهو ما لم يُعجب العلمانيين، ودافع عنه مناصروه وقالوا كيف للرجل أن لا يشتم الديمقراطية وهو ينظر إلى الديمقراطية الغربية من أصدقاء الشعب السوري، التي لم تستطع حماية ضعفاء سوريا ولم تفعل شيئاً للنظام حين تجاوز الخطوط الحمراء وقتل بالكيميائي مئات الأطفال والنساء والأبرياء في غوطة دمشق.

اتهمه بعض المعارضين بأنه اختطف ناشطين حقوقيين في مركز لتوثيق الانتهاكات في دوما بريف دمشق مركز نفوذه ومنهم المحامية رزان زيتونة، لكنه نفى مسؤوليته عن الاختطاف، فيما قال مناصرون له إن عملاء للنظام هم من قام بالعملية، ومنهم الرئيس الأسبق لائتلاف المعارضة السورية الشيخ المهندس معاذ الخطيب الذي تكلّم معه وأقسم أمامه أنه لم يقم بالعملية، وتأكد من مصادره الخاصة أن الرجل بريء، ودعا الناس لوقف الحملة ضد الرجل والانصراف إلى فضح النظام.

الخطيب لم ينف عنه تهمة الاختطاف فقط، بل امتدحه وبرر معاداته للديمقراطية، ووصفه بأنه مجاهد ويحمل فوق رأسه همّاً أكبر من الجبال، وقال بعض خبراء التبرير إن الخطيب، المنحاز إلى الحل السلمي، يُغازل “حامل هموم الأمة” ليغريه بعدم استخدام المخزون الكبير من السلاح الذي يملكه جيشه.

لكثرة مجازر النظام ضد أهالي الغوطة، أعلن أن مقرات النظام في دمشق ستكون هدفه التالي، وبالفعل أمطر العاصمة مؤخراً بأكثر من مائة صاروخ، خلّفت أضراراً وقتلى وشُلّت المدينة وأصابت السكان والنظام بالرعب، واختلفت المعارضة في تقييمها، فأيدها البعض من منطلق ضرورة ردع النظام بأيّ شكل، ورفضها الكثيرون لأنها عبثية ولن تؤثر على قلاع النظام.

العفو الرئاسي الذي خرج بموجبه علوش من أبواب سجن صيدنايا مع أكثر من 1500 معتقل من جماعات متطرفة وسلفية مختلفة، يعتبره الكثيرون نقطة التحول التي مهّدت فعليا لنشر عسكرة الثورة وأسلمتها في المناطق السورية المختلفة

كان النظام سعيداً بقصف المدينة لأنها فرصة لتأكيد ادعائه بأن من يُقاتل النظام هم إرهابيون لا يميزون بين مدني وعسكري، رغم أن النظام نفسه تغلغل بين المدنيين للاحتماء بهم، وحوّل الكثير من المرافق العامة المدنية لثكنات عسكرية ومقرات لميليشياته، ونفس هذا النظام “العطوف” رد على هذه الصواريخ بأكثر من 75 غارة جوّية عنيفة خلال ساعتين حملت الموت لنحو مئة سوري في مناطق علوش جميعهم من المدنيين.

إمارة علوش هي هذه التركيبة كلها، جزء من وضع غير واضح تعيشه سوريا، وأحد إفرازات الحرب الدموية التي يقودها النظام السوري ضد شعبه منذ أربع سنوات، فهذا المقاتل يعتبر في نفس الوقت خطرا على النظام وعلى بقية قوى المعارضة المسلحة، ويشكل الفكر الذي يتبناه مصدر قلق للتيارات الديمقراطية واليسارية والقومية السورية المعارضة.

التفاصيل كثيرة، المدائح والاتهامات، وهو أمر طبيعي عندما يتعلق الأمر برجل إشكالي لا يحظى بتأييد الأغلبية، يساهم مؤيدوه وداعموه في تضخيم صورته بينما تساهم آلة إعلام النظام وإشاعات خصومه في تشويه هذه الصورة، ولا يعرف السوريون أين يُصنفون هذا الرجل وهم حائرون، فمشروعه العسكري الضخم قد يساهم في تسريع سقوط النظام وربما يساهم في تسريع القضاء على السوريين.

12