"زهرة حلب" دراما إنسانية أفقدها التمطيط جاذبيتها

يطرح الفيلم التونسي الجديد "زهرة حلب" للمخرج التونسي رضا الباهي قضية الساعة، والمتمثلة في استقطاب التنظيمات الإرهابية للشباب التونسي وتسفيرهم للقتال في سوريا بدعوى الجهاد في سبيل الله وإقامة الدولة الإسلامية، ليقدم الباهي وفق كتابته السينمائية الخاصة زاوية أخرى للظاهرة التي باتت واقعا مرا، لا على الشباب الذين وقع توظيفهم أيديولوجيا، بل على العائلة والأم بصفة خاصة.
الجمعة 2016/11/18
هند صبري كانت زهرة الفيلم

تدور أحداث فيلم "زهرة حلب" لمخرجه ومؤلفه التونسي رضا الباهي والذي يعرض حاليا بالقاعات التونسية، حول الشاب مراد (باديس الباهي)، العاشق للموسيقى والعازف على القيثارة والحب معا، وهو المولع بفتاة رياضية ومتفوقة في دراستها.

في الأثناء يقدم مخرج العمل رضا الباهي عائلة مراد بعد عودته من فرنسا إلى تونس، متشظية، فالوالد الفنان التشكيلي (هشام رستم) منفصل عن والدته المسعفة الطبية (هند صبري)، وكل منشغل بحياته الخاصة، والابن المراهق يصارع بين هويّتين، وهو الفرنسي المولد والتونسي الأصل، وما تعنيه هذه الازدواجية الإثنية من تصادم قيمي بالنسبة إلى مراهق، وإن لم يتوغّل الباهي بما يكفي في سرده الفيلمي لهذه الثيمة وانعكاساتها على شخصية البطل ومجريات الأحداث.

فجأة يهجر مراد مقاعد الدراسة، وهو في سنته النهائية بالثانوي (الباكالوريا) لتتلقّفه الأفكار المتطرفة، وفجأة يلتحق بالجماعات التكفيرية، ومرة أخرى يتم تسفيره فجأة إلى سوريا بداعي الجهاد.

حوالي الساعة من الزمن استغرقها هذا التداعي الاستباقي للحدث الأهم في الفيلم، -الذي سنأتي عليه لاحقا- فجاء السرد بإيقاع بطيء وبثرثرة في النص والصورة معا، الأمر الذي يجعل المشاهد يصاب بالملل والرتابة نظير هذا التمطيط في سرد الأسباب والدوافع التي جعلت من مراهق متحرّر إلى حدّ ما يقع ضحية الجماعات التكفيرية، والحال أنه يمكن اختزال كل هذه الإطالة التي أخلّت بتطور الأحداث من خلال تقنية “الفلاش الباك” القادرة لوحدها على التكثيف والتلخيص.

قوة الفيلم تكمن في الجزء الثاني منه، والذي يسرد رحلة الأم من تونس إلى سوريا في سعيها لإعادة وحيدها إلى وطنه

قوة الفيلم تكمن في الجزء الثاني منه، والذي يسرد رحلة الأم سلمى من تونس إلى سوريا في مسعى منها لإعادة وحيدها إلى وطنه وحضنها، أما ما سبق فهو استعراض ممجوج لوقائع أشبه بفيلم وثائقي أو تقرير صحافي استقصائي عن الأسباب والدوافع التي تجعل من مراهق يتخلى عن حبه للحياة ليستعيض عنها باستباق الموت، وإن تعدّدت الأسباب فالنتيجة واحدة، لكن الطرافة تكمن هنا في رحلة الأم المضنية.

رحلة استجمعت فيها سلمى كل براعتها في المُخاتلة، فخادعت واحتالت على أفراد من الجماعات الإرهابية وأقنعتهم بأنها تودّ الالتحاق بالجماعات الجهادية لتسعف جرحاهم، وهي المسعفة أصلا، وبالفعل تتمكن الأم من الذهاب إلى سوريا وتحديدا إلى حلب عبر تركيا بوساطة مشبوهة كان بإمكان مخرج العمل الكشف عنها وفضحها، ولو من خلال التخييل، وهي المهمة الأساسية للسينما الروائية، لا أن تكون عدسة الباهي أقرب إلى التسجيل الوثائقي.

في حلب تكون الرحلة الثانية للأم التي تسبق الفاجعة، والتي هي أساس الفيلم في رحلة بحثها المحفوفة بالمخاطر من أجل استعادة ابنها، فأن تعمل سلمى ممرضة، وتحصل على إعجاب أمير "جبهة النصرة"، الذي رشحها للالتحاق بـ"الجهاديين" بعد أن يتم تمرينها على حمل السلاح والقتال، فتلك هي الجدّة والطرافة في الطرح الروائي لفيلم سينمائي ما.

تتسارع الأحداث وتقع الأم أسيرة لـ"داعش"، فيتم اغتصابها جماعيا والتنكيل بها، وفي غفلة من المعتدين تتمكن من العثور على سلاح وتقضي عليهم، لتتنكر بارتدائها لملابسهم واضعة وشاحا على وجهها، إلى أن تجد ابنها المنضوي تحت لواء “جبهة النصرة” وقد أرسله أميرها مع عناصر منها لاستعادتها، وهو لا يدري، أي مراد، أن أمه هي المطلوب استرجاعها، وحين تخرج إليهم يقوم الابن بقنصها ويرديها قتيلة.

هنا تنتهي أحداث “زهرة حلب” الذي وإن لم يأت بجديد في جزئه الأول الذي صوّر في تونس، إلاّ أنّه قدّم في الجزء الثاني منه والذي صوّرت غالبية مشاهده في لبنان قصة درامية مُشوّقة، أثبتت للمرة المئة حرفيّة النجمة التونسية- العربية هند صبري في تقمص الأدوار المركّبة بإتقان كبير من خلال ذبول عينيها، وهي تُغتصب، أو من خلال ثرثرة حركاتها وإن كانت صمتا، وهي تنتحب مصير ابنها المجهول بعد أن أبلغها بالتحاقه بالجماعات الجهادية في سوريا عبر هاتفه الجوال، ليحق القول أنها كانت بحق زهرة الفيلم.

وما يحسب للفيلم أيضا أنه قدّم إلى الجمهور العربي مشروع موهبة تمثيلية قادمة تمثلت في باديس الباهي الذي أقنع في أداء دور المراهق في جميع تحوّلاته من عاشق للحياة إلى عدوّ لها، وهو ما ينسحب أيضا على النجم التونسي محمد علي بن جمعة الذي برع في أداء شخصية أمير الجماعة، مبتعدا بذلك عن نمطية أدواره التلفزيونية السابقة والتي تم حصرها لسنوات في شخصية العاشق الوسيم، وهو ما يحسب لرضا الباهي في إدارته للممثلين.

16