زهرة مروة: الشاعر العظيم من يدخل إلى المطبخ

يظل الشاعر أكثر المبدعين حفاظا على الدهشة والطفولة في داخله، حيث يتعامل مع عالمه كل مرة وكأنه يراه للوهلة الأولى، يندهش لأشيائه وتفاصيله حتى الدقيقة منها، يلتقطها يكتشفها مرات ومرات حتى يكتبها أو يعيد كتابتها. “العرب” التقت الشاعرة اللبنانية زهرة مروّة فكان لنا حديث عن الشعر وحول عوالم الطفولة والبدايات.
الثلاثاء 2016/05/10
الشاعر من يتقن اللعب

زهرة مروّة من الأصوات الشعريّة الجديدة في لبنان، صدرت لها ثلاث مجموعات شعرية هي “جنة جاهزة”، و”الإقامة في التمهيد”، و”الحياة على دفعات”. كما أن الشاعرة عضو في حركة شهرياد الثقافية التي تستضيف شعراء لبنانين وعربا كل ثلاثاء في شارع الحمراء. وقد ترجمت منتخبات من قصائدها إلى الألمانية. كما صدر كتاب يتناول تجربتها الشعرية للناقد والشاعر اللبناني ميشال سعادة، بعنوان “زهرة مروّة في مجموعتيها الشعريتين جنة جاهزة والإقامة في التمهيد، دراسة نقدية تأويلية”. وتقوم الشاعرة بترجمة قصائد لشعراء كبار من الفرنسية إلى العربية.

طفولة الشاعر

كلنا نعلم أهمية الطفولة بالنسبة إلى الشاعر، لكن زهرة مروّة لا تتذكر بشكل دقيق ملامح طفولتها، غير أنها تؤكد على أننا جميعنا نتأثر بأحداث تحصل معنا في الطفولة، وقد تبقى آثارها إلى الأبد أحيانا. لكن الشيء الغريب في طفولتها والذي ما زالت تذكره، هو أنها درست في مدرسة مخصصة فقط للفتيات تابعة للراهبات. وهذا الأمر خلق جدارا في الحياة بينها وبين الآخر/ الرجل، فأصبح هذا الأخير لغزا بالنسبة إليها، وربما لهذا السبب تعيش الشاعرة الآن علاقة جدلية في شعرها مع الرجل.

تضيف “من جهة أخرى، أشعر أنني ما زلتُ أعيش طفولتي، ولم أطوِ صفحتها كليا. أحب مشاركة الأطفال براءتهم وأسئلتهم الساذجة، وأكثر ما يشدني إلى الطفولة تلك التلقائية في التعامل، وأعتقد أن الشعر ينبع من الإحساس بالطفولة؛ فهناك طفل في قلب كل شاعر حقيقي، طفل مازال يلعب ويندهش ويُدهِش ويلفت الأنظار إليه. تقول الروائية الفرنسية مارغريت دوراس: يبقى دائما شيء من الطفولة في داخلنا”.

النص الشعري الأول لزهرة مروّة ولد بعد حادثة مؤلمة وهي وفاة قريب لها، فكتبت نصا شعريا يعبر عن حزنها فورا بعد وفاته، يومها كانت في الثامنة عشرة من عمرها، لكن الكتابة تلك خففت من وطأة حزنها، وقد نشرت لاحقا هذه القصيدة في ملحق ثقافي ومن هناك بدأت رحلتها مع الكتابة.

تحول العالم إلى ضيعة واحدة بفضل الإنترنت، وما نتج عنها من تواصل سهل يصب في مصلحة الشعر والشعراء

التصالح مع الذات

عن دوافع كتابتها للشعر والمؤثرات التي كانت السبب في ذلك تقول مروّة “منذ صغري كنت أكتب مذكراتي، وكنت أشعر براحة نفسية بعد هذا النوع من البوح. أي بدأتُ أكتب عندما كنت في السابعة عشرة من عمري. ومع الوقت صرت أكتب نصوصا قريبة من الشعر، مع العلم أنني كنت أدرس في الجامعة إدارة الأعمال، والكتابة لم تفارقني في سنواتي الجامعية، كنت أبحث دائما عن قصاصة ورق لأدوّن عليها ما أشعر به، ربما الضغوطات النفسية دفعتني إلى كتابة الشعر، وكانت لديّ دائما رؤية غريبة للأشياء وللكون لا أجرؤ على البوح بها؛ لذلك وجدت في الكتابة طريقا إلى التصالح مع ذاتي”.

تتابع ضيفتنا “من جهة أخرى، ولكوني أكتب قصيدة النثر، فمن الطبيعي أن أبدأ بقراءة قصيدة النثر الفرنسية، بالطبع قرأت بودلير ورامبو ورينيه شار وبول إيلوار، وأعتقد أني متأثرة بقصيدة النثر الفرنسية. ومن الشعراء العرب أفضل عباس بيضون وبسام حجار وشوقي عبدالأمير وأنسي الحاج. وبالإضافة إلى الشعر، أقرأ الرواية والدراسات العلمية والفلسفية، فعلى الشاعر أن يقرأ كل شيء برأيي”.

يقول بودلير “إن العظماء من الشعراء، يصبحون نقادا بطبيعة الحال”، أما هيجو فيقول “إن الناقد لديك يساوي الشاعر”، انطلاقا من هاتين المقولتين نسأل ضيفتنا عن سبب لجوء بعض الشعراء إلى الكتابة النقديّة، وهل بإمكان الشاعر أن يكون ناقدا؟

نصوص تطرح أسئلة وجودية
تجيبنا زهرة مروّة قائلة “الشاعر العظيم برأيي هو من يتقن اللعب بالألفاظ والمعاني ويعرف سر نسج القصيدة، أي يدخل إلى مطبخ القصيدة ويواكب ولادتها في كل مراحلها، بالإضافة إلى أنه يقرأ الشعر ويتابع التجارب الشعرية في عصره وفي غير عصره. من هنا أثني على مقولة بودلير «إن العظماء من الشعراء، يصبحون نقادا بطبيعة الحال»، لأن الإنسان الذي يكتب الشعر بمسؤولية وبشغف في آن، ويطالع الكتب الشعرية والنقدية بإمكانه أن يكون ناقدا بكل سهولة”.

قرية للشعراء

ثمّة ظاهرة لافتة عن انتشار الكتاب إلكترونيّا، فهل كان للإنترنت دور في انتشار الكتاب الشعريّ تحديدا، بالتزامن مع رداءة التعامل مع الشعر من قبل دور النشر العربية؟ تقول مروّة “تحوّل العالم إلى ضيعة واحدة بفضل الإنترنت، وما نتج عنها من تواصل سهل وسريع بين البلدان يصبّ في مصلحة الشعر والشعراء، ويفتح تواصلا بين شعراء من مختلف أركان العالم. وبرأيي إن الكتاب الإلكتروني يساعد في الترويج للشاعر ولنتاجه. ولكن لا يجب أن ننسى أن ترويج الكتاب بهذا الشكل من الممكن أن يعرضه للقرصنة الإلكترونية، وعلى الكاتب أن يستفسر عن هذه الناحية وأن يحمي نفسه قبل أن يلجأ إلى النشر”.

تضيف “أما بالنسبة إلى البعض من دور النشر، أقول البعض كي لا أعمم، فأعتقد أنها تبغي الربح بالدرجة الأولى ولا يهمها الترويج للكاتب أو القيمة الأدبية للكتاب”.

وتلفت الشاعرة زهرة مروّة إلى أنها نشرت أخيرا كتابا جديدا بعنوان “الحياة على دفعات” صادرا عن دار الروسم العراقية، وهو عبارة عن نصوص شعرية حرة ومكثفة، تتحدث من خلالها عن الغياب والفقدان والوحدة، وفي نفس الوقت تحمل أسئلة وجودية تدفع بالقارئ إلى التفكير في أبسط الأشياء.

وقد كان تعامل مروّة مع هذه الدار، دار الروسم، كتحية لأصدقائها الشعراء والنقاد العراقيين، حيث ودّت أن تعرف آراءهم حول كتابتها الشعرية، وإلى حدّ الآن كانت كل التعليقات على الكتاب إيجابية.
15