زهير الدجيلي يبحث عن العراق

السبت 2016/01/16
زهير الدجيلي شاعر ما زال يوصي الطيور الطايرة كي تسلم له على الولايات

باريس- كنا نمزج الوطن بالحب. هكذا يصف زهير الدجيلي مفهومه للأغنية، وهكذا يبحر صاحب “يا طيور الطايرة” في بحر تجاوزت أمواجه مئة وثمانين أغنية، حفظها الشارع العربي. رغم أن الكثيرين كانوا يجدون صعوبة في التقاط معاني بعض كلماتها، إلا أن ذلك الحب الذي يتسلل بين كلماته كان كفيلاً دائماً بجذب المستمتع إلى أغانيه.

قيل عنه إنه “أبو الأغنية العراقية”، رجل ألف الترحال مثلما ألف الحنين، ولذلك فقد باتت قصيدته حنيناً لوطن أبعد عنه مرغماً ولم يرجع إليه مختاراً. فقد بات العراق ملاذاً للصوص، كما يقول، وللتيارات الطائفية التي أطبقت على البلد فخنقته، يقول “إلى متى يبقى الوطن بيد الحراميّه/ وطن منهوب؟/ لا حارس يحرسه ولا حاكم يصونه ويعمل المطلوب/ إلى متى؟/ كان العراقي طول عمره/ الكلّ يسمّونه: المواطن المرعوب/ اليوم صار بفضل حزب الدعوة/ هم مرعوب وهم مسلوب”.

بين الشطرة والسجن

ولد زهير الدجيلي في مدينة الشطرة التابعة لمحافظة الناصرية جنوب العراق، وجد نفسه مدفوعاً إلى اليسار في مدينة كان يُطلق عليها في حقبة ماضية، تسمية “موسكو العراق”. تعرض للاعتقال في بداية شبابه عام 1954 إبان الحقبة الملكية، وحكم عليه بالحبس سنة ونصف السنة بعد رفضه توقيع صكّ البراءة من كافة أفكاره ومعتقداته.

بعد خروجه من السجن، جاءت أحداث تأميم قناة السويس في مصر لتلهب الشباب المتحمس في العراق، كان صوت الدجيلي يدوّي بالقصائد الشعبية خلال المظاهرات التي عمّت شوارع مدينة الناصرية ومدارسها.

ألقي القبض عليه وسيق مع غيره من مئات الطلاب الشيوعيين والديمقراطيين إلى معسكر خاص في راوندوز في قلعة حجرية تقع بين جبل راوندوز وواديها. ونظراً لظروف السجن الصعبة أعلن الدجيلي إضرابه عن الطعام حتى الموت، محرضاً الآخرين على الإضراب. فتم اعتقاله مع عشرين طالباً آخر وتم تسفيرهم عام 1957 إلى سجن صحراوي صغير يقع قرب الرمادي. ولم يكن هذا السجن غير ثكنة عسكرية صغيرة مهجورة قيل إنها من مخلفات القوات العسكرية البريطانية التي احتلت العراق.

قصائد الدجيلي تتميز كما الكثير من القصائد الشعبية العراقية بذلك الخيط الدقيق من الحزن والألم. إلا أن بساطة تراكيبه، جعلت من السهل على المتلقي أن يتابع معها تفاصيل قصة حب ووطن في الوقت نفسه، فكانت "حسبالي" لسعدون و"بيت العراقيين" لفؤاد سالم و"مرة وحدة" لياس خضر

طبيعة السجن القاسية والمعاناة التي كان يعانيها لا السجناء فقط بل حتى السجّانون، جعلت منهم أصدقاء يتبادلون الأفكار والرؤى والأخبار السياسية ويتفقون في نهاية المطاف على تنفيذ عملية هروب جماعي من السجن. لكن لم يسعفهم الحظ. حيث ضيّعهم دليلهم في الصحراء، وطوقتهم قوات من الجيش العراقي تعرضوا بعدها إلى سلسلة من التحقيق والتعذيب.

أعيد الهاربون إلى سجن آخر قريب من مدينة البصرة، وظل الدجيلي ورفاقه معتقلين حتى قيام ما يعرف بثورة تموز عام 1958 حيث تم إطلاق سراحهم.

جاسم وتضاريس العراق

عاد زهير الدجيلي إلى الناصرية من جديد لمواصلة مرحلة أخرى من النضال الحزبي، وليكون مسؤولاً عن مدينة الناصرية تحت اسم حزبي سري (جاسم)، وليصبح في ما بعد العام 1961 مسؤولاً عن اللجنة المحلية في لواء الناصرية.

كانت يوميات علاقاته مع فلاّحي تلك المناطق، من الحزبيين والفلاحين الثوريين الفقراء، تنطلق من قدرته التأثيرية العالية المليئة بالفولكلور الفلاحي والأمثال الشعبية والشعر والحكايات. مما كان له الأثر الكبير في نجاحاته التي حققت إعادة علاقة الحزب مع الفلاّحين وإعادة التنظيمات الحزبية في الريف.

اعتقلته الشرطة من جديد عام 1962 وحكم عليه بالسجن أربع سنوات بينما كانت زوجته حاملاً. لم يمنعها الحمل من الاشتراك في إحدى المظاهرات التي كانت تطالب بإطلاق سراح السجناء السياسيين. فألقت الشرطة القبض عليها هي أيضا، وسجنتها وولدت ابنته البكر داخل السجن. كتب لزوجته حين كان سجيناً:

“المعذره لو ما أجاج الورد مني

الفنان العراقي القدير سعدون جاير يعتد بأغاني الدجيلي التي رافقت حياته مثل "هلج وين يا نجوى" و"يا طيور الطايرة" و"عالهودا لك"

ما عندي عنوانج يعمري

وعمري ضيعني

طالت الغيبة وطال مشوارج

وشحّت عليّ المدن بأخبارج

كنتي رسالة حب توصلني الصبح

قبل الشمس كل يوم بخبارج

وكانت سلاماتج محّبة في عيون الناس

من كان الوطن عنوانج ودارج”.

وهو يقول إنها قصيدة حب خالصة لزوجته، لكنها ببساطة تصلح لأن تكون أغنية لوطن.

عمل الدجيلي بعد خروجه من السجن في العديد من الصحف والمجلات العراقية آنذاك، مثل “صوت الأحرار” و”الزمان” و”الجمهورية” و”ألف باء” و”الراصد” وغيرها. كما عمل رئيساً لتحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون العراقية الأسبوعية، ورئيس تحرير مجلة السينما والمسرح الشهرية من أواخر الستينات الى أواسط السبعينات.

جماعة تموز

أسس الدجيلي مع الموسيقار العراقي حميد البصري فرقة “جماعة تموز للأغنية الجديدة”، حيث تم الاتفاق على تأسيس فرقة غنائية مصغّرة يكتب كلمات أغانيها الدجيلي ويقوم بتلحينها حميد البصري. على أن يكون مضمون الأغاني غير مباشر، يتكلم عن حب الوطن والتمسك به وحب الناس، مع تضمين مبطن لقضايا العراق والوطن العربي.

تسببت الأغاني التي قدمتها الفرقة في استياء السلطات الحاكمة من أعضائها، ما اضطرهم لمغادرة العراق، وقد فضّل الدجيلي ألا يتصادم مع السلطة، وهو الذي أمضى سنوات من حياته في السجون، فسافر مبتعداً، لكنه لم يبتعد عن العراق كثيراً، واختار أن يكون قريباً على الضفة الأخرى من الخليج العربي، وبدأ العمل في “مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي” في الكويت، ضمن فريق الكتّاب وفي إدارة التحرير وتنسيق البرامج.

أسس الدجيلي مع الموسيقار العراقي حميد البصري فرقة “جماعة تموز للأغنية الجديدة”، حيث تم الاتفاق على تأسيس فرقة غنائية مصغّرة يكتب كلمات أغانيها الدجيلي ويقوم بتلحينها حميد البصري

تحفل سيرة الدجيلي بعشرات وربما مئات الأعمال الدرامية والفنية. لكن يبقى أبرزها مسلسل “افتح يا سمسم” الذي كتب حلقات الجزء الأول منه كاملة، كما كتب أغانيه. وكتب العديد من الأعمال الدرامية للإذاعة والتلفزيون، وعدداً من الأفلام السينمائية أشهرها فيلم “النهر” من إخراج فيصل الياسري، وفيلم “العم مطاوع” إخراج صاحب حداد.

كتب الكثير من الأغاني لمطربي العراق المعروفين وكانت أشهر الأغاني أغنية “يا طيور الطايرة” التي غناها المطرب سعدون جابر ولحنها كوكب حمزة. والتي بقيت كلماتها تتردد مثيرة دهشة وحنين المستمعين حتى هذه اللحظة وكأنها كتبت قبل قليل “يا طيور الطايرة مرّي أبهلي/ ويا شمسنا الدايرة شوفي هلي/ سلّميلي وغنّي بحجاياتنا/ سلّميلي وضوّي لولاياتنا/ وروحي شوفي لي بساتين الوطن/ هم طلع طلّيعها أبنخلاتنا؟/ سلّميلي يا طيور الطايرة/ سلّميلي يا شمسنا الدايرة”.

المرأة العراقية بين زمنين

من الأغاني التي انتشرت بين الناس على امتداد العراق والعالم العربي والتي كتبها الدجيلي أغنية “حسبالي” التي غناها سعدون جابر. وأغنية “بيت العراقيين” للراحل فؤاد سالم. وأغنية “مرة وحدة” للفنان ياس خضر.

تميزت قصائده كما الكثير من القصائد الشعبية العراقية بذلك الخيط الدقيق من الحزن والألم. إلا أن بساطة تراكيبه، جعلت من السهل على المتلقّي أن يتابع معها تفاصيل قصة حب ووطن في الوقت نفسه، يقول إنه لا يكتب أبداً بعيداً عن فكرة الوطن، هو مسكون بهذه الفكرة التي تمدّه بالطاقة ليكتب، وتبقيه حزيناً دائماً.

يرى زهير الدجيلي الأغنية العراقية الآن أغنية ملهى فهي تفتقد إلى المعنى، “إذ لا شيء في الأغنية العراقية الآن يضاهي تلك الأصالة العراقية والحرفة الشعرية التي كتب بها روّاد الأغنية الراحلون أغانيهم. إنها شواهد عصر انقضى. الزمن الجميل بروائح النعناع والقداح والبخور، كان فيه الوطن زاهياً والحب وارفا مثل شجرة رمّان. وكان الناس يعشقون الكلمة الصادقة ويألفون الإحساس الشعري، كانوا أشبه برسامين يرسمون لوحات موضوعات الأغنية في قصائدهم”.

يؤمن أن شعراء الأغنية قديماً كانوا يحترمون المرأة الحبيبة والزوجة والأم. “يرسمونها شبيهة بأجمل ما يتألق به الوطن من جمال”. أما أغنية اليوم فهي تبتذل المرأة العراقية وتقدمها “برتقالة أو باذنجانة أو وجبة غذائية أو راقصة داعرة في حانة الزمن الرديء الذي بات فيه الأفّاقون والسكارى يتبوّلون على كل ما تبقى من زماننا الجميل”.

ضد إيران والفساد

برنامج "افتح يا سمسم" يحظى حتى اليوم بشعبية عالية وكان الدجيلي قد كتب الجزء الأول منه وألف أغانيه كاملة

لا يقتصر عمل زهير الدجيلي الشاعر والسيناريست ومعدّ البرامج على ذلك فقط، بل إنه كاتب ومحلل سياسي، يعمل منذ سنوات في الصحافة الكويتية وهو من أوائل الذين انتقدوا التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للعراق. كما انتقد فساد الحكومات العراقية المتعاقبة منذ احتلال العراق عام 2003 وحتى الآن. على الرغم من أن بعض الكتاب العراقيين يتهمون الدجيلي بأنه أحد أولئك الذين ساعدوا على احتلال العراق وعلى دخول القوات الأميركية.واليوم زهير الدجيلي في الثمانين من عمره بعيد عن العراق. وربما يتساءل في هذه اللحظة:

“يا لوطن وينك غابت الشمس دونك؟

والليل كلما يظلم يكثرون قطاع الطرق

حتى يخطفونك

وتاه السؤال بحيرتي وماكو خبر

والناس غابة خوف من دونك

وين إنت كًلّي أبيا مطار؟ أبيا قطار؟

أبيا محطة؟ أبيا كراج؟

أبيا سفينة ضايعة أبنص البحر؟

ومن هم ينقذونك؟

وين إنت كًليّ بيا بلاد؟ أبيا مزاد أنبعت؟

وأرباب الفساد البيك كل ساعة يبيعونك؟”.

لا تنتهي كلمات الدجيلي، رحلة امتدت من “البارحة” القصيدة التي غناها سعدون جابر أيضاً، إلى “هلج وين يا نجوى” إلى “الهودا لك” و”مغربين وين أهل الهوى” لياس خضر. رحلة طويلة في عوالم الإنسان وشجنه. لكن الدجيلي يقول اليوم إن أول مكان سيزوره في العراق، سيكون قبر أمّه، إن عاد إلى العراق يوماً.

14