"زواج الأزمات" لعنة الحرب على نساء سوريا

المرأة تدفع الثمن غاليا في الحرب وخاصة حين تقع بين فكي الفقر فتقبل بالزواج دون رضاها، وتتزوج مكرهة، وتطلق من تحب لتتزوج من يعيلها، وترمي بألعابها وأحلامها لتتزوج برجل في عمر والدها، وحتى تضحياتها التي تقدمها من أجل أن تنقذ عائلتها لا تعوّض ما تحمله من الألم ومخاطر المجهول.
الأربعاء 2016/09/14
طابور الزواج

دمشق - وافقت مها، وهي أم لطفلين، بسبب ظروفها المعيشية الصعبة أن تصبح الزوجة الثانية لابن عمها بعد ستة أشهر على مقتل زوجها، مثلها مثل الكثير من النساء السوريات اللواتي تأثرت حياتهنّ الشخصية بالحرب.

ونتيجة النزاع الدامي في سوريا والمتواصل منذ أكثر من خمس سنوات، وما أسفر عنه من قتل وهجرة المئات من الرجال بشكل يومي، ارتفعت نسبة تعدد الزوجات كما ارتفعت نسبة الطلاق، وفق أرقام رسمية.

وتشير إحصائيات حديثة إلى أن نسبة العنوسة في سوريا وصلت إلى 70 بالمئة لأسباب ارتبطت بالأوضاع الاقتصادية والأوضاع السياسية التي تمر بها البلاد في السنوات الأخيرة التي أدت إلى التحاق البعض من الشباب بالقوات العسكرية أو هجرتهم إلى خارج البلاد.

تقول مها (31 عاما)، وهي من سكان ضواحي دمشق التي شهدت معارك بين الجيش السوري والفصائل المقاتلة، “توفي زوجي قبل عام ونصف العام، وبقيت وحيدة مع طفليّ الاثنين طيلة ستة أشهر. كان الأمر في غاية الصعوبة”.

وتتابع “لذلك قرّر ابن عمي أن يتزوّجني لأسكن مع زوجته وأطفاله في المنزل ذاته”، مضيفة “كان الأمر صعبا في البداية خصوصا أن زوجة ابن عمي هي أيضا صديقتي، لكنها تقبلت الفكرة تدريجيا بسبب ظروفي الصعبة”.

زهرة البالغة من العمر 16 سنة أجبرتها ديون العائلة على التضحية بنفسها، وتعهد زوجها الخمسيني بسد تلك الديون كمهر لها

ويشرح محمد، زوج مها البالغ من العمر 41 عاما، قراره قائلا “أصبح عدد النساء أكثر من الرجال، وقررت أنا وأربعة من أصدقائي أن نتزوج مرة ثانية من نساء فقدن أزواجهن من أجل السترة”.

وتشهد سوريا منذ عام 2011 نزاعا أسفر عن مقتل أكثر من 290 ألف شخص غالبيتهم من الرجال، ما أدّى إلى تفكّك المئات من العائلات وأثر على العلاقات الزوجية في بلد ترزح الشريحة الأكبر من سكانه تحت خط الفقر، ويعاني من البطالة.

وتعدد الزوجات مسموح به في سوريا، ولكنه كان نادرا في الماضي. أما اليوم فقد تغير الوضع، وبلغت نسبة تعدد الزوجات عام 2015 وبحسب الزيجات المسجلة في المحاكم الشرعية التابعة لمدينة دمشق، نحو 30 بالمئة مقابل خمسة بالمئة فقط عام 2010.

ويقول القاضي الشرعي الأول محمود المعراوي “خلال الأزمة استشهد الكثير من الشباب أو فُقدوا وهاجروا وأصبح عدد النساء أكثر من الرجال، فحل القانون والشرع المشكلة بتعدد الزوجات”.

ويوضح المعراوي أن “المحكمة الشرعية تجاوزت عددا من الضوابط التي وضعها القانون للسماح بالزواج من امرأة ثانية من أجل مواجهة هذه الأزمة”، في إشارة إلى قيود قانونية كانت تفرض مثلا ألّا يكون فارق السن كبيرا بين الرجل والزوجة الثانية، أو أن يكون لكل زوجة منزل مستقل.

وتتوقع الكثير من الفتيات أن تكون الحياة صعبة في ظل الارتباط بشاب معرض للخطر مما يجعل المرأة دائمة التفكير في مصيره وذلك ما تترتب عنه أعباء نفسية وعاطفية، كما أن الكثير من الأهالي يفضلون بقاء بناتهم عازبات على أن ينجبن أطفالا ويترملن في وقت مبكر من حياتهن.

وتزوجت صباح الحلبي (44 عاما) من رجل متزوج يكبرها بـ24 عاما من أجل إعالة طفليها.

تقول صباح “فقد زوجي عمله في مدينة سقبا” قرب دمشق الواقعة تحت سيطرة الفصائل المقاتلة، بعد اندلاع الحرب “لم يعد يتحمل مسؤوليته تجاهنا وهجرنا، فــطلبت الــــطلاق منه ثم تزوجت من ممدوح” الذي يعمل سائقا ويبلغ 68 عاما وتعاني زوجته الأولى من مرض خبيث. وكانت صباح تتحدث بعدما أتمت عقد قرانها في قصر العدل.

ويرى البعض من السوريين أن تعدد الزوجات، أو ما يسمى عادة بـ”الزواج الثاني”، ولد حديثا وانتشر بسرعة كبيرة، إلا أنه لم يشمل إلا أصحاب المداخيل المادية الجيدة.

ويقول أبوعدنان إنه قرر الزواج من إحدى المستأجرات في منزله الكبير في حارة اليهود في دمشق القديمة بسبب ظروفها المعيشية الصعبة.ويتابع الرجل البالغ من العمر 46 عاما “كنت أتردد على قاطني الغرف والمستأجرين، ولاحظت مع مرور الوقت أن إحدى المستأجرات لا تتمكن من تسديد مستحقات الإيجار”. ويضيف “وضعي المادي جيد ويسمح لي بزواج ثان، فقررت ان أتزوجها لتسكن مع عائلتي في منزلي”. ويتابع “أنا متزوج منذ عشرين عاما ولم أرزق بأطفال، وقد وافقت زوجتي الأولى على أن أتزوج مرة أخرى لعلّ الله يرزقني بطفل قبل أن أموت”.

وقانون الأحوال الشخصية للمسلمين في سوريا الذي ينظّم الطلاق والزواج والتفريق والحضانة، مستمد من أحكام الشريعة الإسلامية. أما الطوائف الأخرى فلها محاكمها الخاصة.

وتقول الاختصاصية بعلم النفس الاجتماعي ليلى الشريف “باتت المرأة اليوم تقبل بأي زوج يكفيها ماليا ويشعرها بالحماية وكانت لا تقبل به في الحالة العادية” قبل النزاع.

المطلقة تتزوج للسترة

وبالتوازي مع ارتفاع نسبة تعدد الزوجات، زادت نسبة الطلاق أيضا، وقد سجلت المحكمة الشرعية في دمشق 7028 حالة طلاق عام 2015 مقابل 5318 عام 2010، أي بزيادة قدرها 25 بالمئة.

فقر وهجرة وطلاق

يعود ارتفاع نسبة الطلاق، بحسب المعراوي، إلى “أسباب اقتصادية وعدم إمكانية تأمين مسكن مستقل، إذ تضطر العائلة لتقاسم المسكن أو الانتقال للسكن مع الأهل، فضلا عن عدم قدرة الزوج على إعالة زوجته” بعد الأزمة التي أفقدت الكثيرين أعمالهم.

ويضاف إلى ما سبق، بحسب قوله، تأثير الهجرة السلبي على العائلات. ويوضح “نشبت خلافات بين الزوجين بسبب رغبة أحدهما في السفر ورفض الآخر خوفا من مخاطر السفر أو عدم الرغبة بالابتعاد عن الأهل”.

وبحسب الأمم المتحدة، دفع النزاع بـ4.9 ملايين شخص للجوء إلى خارج البلاد، فيما نزح أكثر من 6.6 ملايين آخرين داخلها.

ويشرح المحامي جميل كردي أن “المادة 109 من قانون الأحوال الشخصية تجيز التفريق للغيبة”.

وبموجب هذا القانون، وفق قوله “يحق للزوجة ان تحصل على طلاقها بعد أن تثبت غياب زوجها لمدة تزيد عن السنة بشكل قانوني”.

وهكذا، انتظرت فوزية (43 عاما) أن يرسل لها زوجها الذي هاجر إلى السويد قبل أكثر من ثلاث سنوات أوراق لمّ الشمل لتلحق به. وبعد طول انتظار دون نتيجة قررت الطلاق منه. تقول فوزية التي تقطن مع أولادها الثلاثة لدى أهلها في دمشق، “تمكنت من الطلاق ويمكنني الزواج الآن بآخر يعيلني”.

ويقول أحد الشبان الذين بلغوا سن الزواج ولم يتزوج “لا يمكنني الزواج حاليا، لأن الأمر لا يقف عند حدّ المال فحسب، لأنني ربما أتزوج اليوم لأموت غدا برصاصة أو قذيفة فأترك خلفي عائلة مشردة، فأنا في غنى عن هذا الموضوع في الوقت الراهن”.

زواج القاصرات

من الظواهر السلبية التي بدأت ترتفع أرقامها في المجتمع السوري، الزواج من فتيات أعمارهن تحت السن القانونية، وهو ما يسمى بزواج القاصرات.

وبيّن القاضي الشرعي الأول بدمشق، محمود معرواي، أن عدد معاملات زواج القاصرات في دمشق يشكل 10 بالمئة إلى 15 بالمئة من معاملات الزواج، حيث بلغ المعدل يوميا نحو 5 معاملات.

ويقول معراوي إن حالات الزواج في دمشق وريفها ارتفعت نتيجة الإقبال الكبير من المحافظات الأخرى على المحكمة الشرعية، مؤكدا أنه لا يمكن إجراء إحصاءات دقيقة عن عدد عقود الزواج في المحافظات كافة، نتيجة الظروف الراهنة وهجرة الكثير من أبناء المحافظات المتوترة إلى خارج محافظاتهم.

وتقول الباحثة الاجتماعية إيفا عطفة “هذا الارتفاع لا يعبّر بالضرورة عن تعافي المجتمع بل يدلُّ على خلل اجتماعي يحيط بالسوريين”، وتضيف “معظم هذه الحالات جاءت وليدة للأزمة التي تمرّ بها البلاد، وإلّا فإن المجتمع بغنى عنها”، موضحةَ أن “الأحداث الأخيرة فتحت الأبواب أمام زواج القُصّر، إضافة إلى حالات الزواج التي أفرزتها عمليات الاغتصاب، ناهيك عن زواج المصلحة الذي لاقى رواجا خلال الأحداث الأخيرة وكان هدفه السفر إلى إحدى الدول الأوروبية أو الحافز الاقتصادي المغري”.

إمضاء وكفى

وتزوجت سمر البالغة من العمر (15 عاما) من رجل يكبرها بسنوات، فقط لأنها أرادت أن تخفف العبء عن والدها الذي أصبح عاجزا عن إعالة ستة أنفار بعد أن ترك عمله في مصنع أغلق جراء الأحداث الجارية في البلاد. وبذلك نخلت سمر عن أحلامها في الدراسة والتخرج من الجامعة.

تقول سمر “صحيح أن زوجي يكبرني بسنوات، لكنني سعيدة لأنّه يؤمن لي متطلبات الحياة”. سمر ليست القاصر الوحيدة التي تركت الدراسة بسبب البؤس الاقتصادي، فأكثر من نصف معاملات الزواج في دمشق وريفها هي لقاصرات دون سن الأهلية.

ويرجع القاضي الشرعي الأول في دمشق سبب ازدياد زواج القاصرات إلى الظروف الراهنة، لأن الكثير من الآباء يبحثون عمّن يرعى بناتهم في الوقت الراهن، مشيرا إلى أنه “في الظروف العادية قبل الأزمة كانت نسبة زواج القاصرات أقل مما هي عليه اليوم بكثير”.

وتقول لميس “أجبرني والدي على ترك المدرسة بعد أن تقدَّم لي رجل أربعيني فتزوّجته رغم أنّي أحلم بأن أكمل دراستي وأصبح طبيبة”. أما زهرة البالغة من العمر 16 سنة فقد أجبرتها ديون العائلة على التضحية بنفسها وتعهد زوجها الخمسيني بسد تلك الديون كمهر لها، تقول زهرة “لم أكن أتوقّع أن أتزوج برجل في هذا العمر لكن ظروف الحياة صعبة وعائلتي وقعت في ورطة المعيشة، فكان زواجي الحل الوحيد لتخليصها من تلك الديون”.

20