زواج الأقارب شهر عسل ينتهي بأمراض وراثية

زواج الأقارب أحد أهم أسباب العديد من الأمراض الوراثية المختلفة التي تنتشر في المجتمعات العربية والتي تعتبر زواج بناتها أو أبنائها من الغرباء أو من خارج القبيلة أو العائلة مسلكا غير مقبول اجتماعيا.
الأحد 2016/08/14
زواج الأقارب يتجذر في عدد كبير من المجتمعات العربية

القاهرة - ينتج عن زواج الأقارب زيادة فرص تعرض الأبناء لأمراض وراثية خطيرة، أخطرها العته المنغولي وسرطان الدم، بالإضافة إلى احتمالات التصاق التوأم من الرأس أو البطن، حيث لا يشعر الزوجان من الأقارب بكوارث مثل هذه الزيجات إلا بعد انتهاء شهر العسل، واكتشاف أن الجنين في بطن الزوجة مهدد بالأمراض الوراثية.

وأظهرت دراسات طبية حديثة، ارتفاع نسب الوفاة بين حديثي الولادة للأزواج الأقارب، لتصل إلى 77 بالمئة بين أبناء العمر الواحد، وكلّما تباعدت صلة القربى أخذت النسبة في الانخفاض لتقترب من 69 بالمئة، وتوشك أن تنعدم تقريبا بين الأزواج الغرباء.

وفي هذا السياق تعتبر سامية الخشاب، أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة أن اختيار شريك الحياة عملية وثيقة الصلة بالمجتمع الذي تتم فيه، كما تشير إلى تجذر ظاهرة زواج الأقارب في عدد كبير من المجتمعات العربية، لدرجة أنه في بعض المجتمعات يتم استئذان ابن العم قبل تزويج ابنة عمه من شخص غريب، فإذا أبدى رضاه عن زواجها سارت الأمور في سلام، وإذا حدث العكس كانت ابنة عمه من نصيبه.

وأشارت الخشاب إلى انتشار زيجات الأقارب في “الأسر الممتدة”، أي متعددة الأجيال، والتي تتمتع بمستوى اقتصادي مرتفع، لذلك تسعى هذه الأسر للمحافظة على كيانها الاقتصادي وحفظ ملكيتها من الزوال والتفتيت، بالزواج بين أفراد العائلة الواحدة.

من ناحيتها، تحذر نسرين الأبيض، أستاذة طب الأطفال بالقصر العيني بالقاهرة، من تعرض أبناء زواج الأقارب إلى الإصابة بالعته المنغولي بنسب أكبر من غيرهم، وكذلك تعرض أجنة هذه الزيجات لحدوث ما يعرف بتكسر الدم، الذي يؤدي إلى الصفراء فيما بعد الولادة، وينتج ذلك عن اختلاف المعامل بين الأب والأم، أي أن يكون أحدهما سالبا والآخر موجبا، وتقول حول ذلك “نضطر في هذه الحالات التي نكتشفها متأخرا للأسف وبعد تمام الزواج إلى حقن الأم بأمصال معينة تحميها وتحمي الجنين، وأحيانا لا نجد أمامنا بدا من التدخل الجراحي للتخلص من الأجنة المشوّهة، أو المصابة بأمراض خطيرة يصعب التغلب عليها بعد الولادة”.

زواج الأقارب يزيد من نسبة الإصابة بالأمراض الوراثية من وجهة نظر البعض، إلا أنه يساهم في تأصيل بعض الصفات الجميلة والمحببة في الأجيال الجديدة، كمضاعفة نسبة الذكاء والجمال وطول العمر

وتضيف الأبيض أن الأم الحامل في هذه الحالات تخضع لإشراف طبيّ مرهق، وصيانة لصحة طفلها وسلامتها، وبرغم ما يقال حاليا عن إمكانية العلاج بالجينات وفتح المجال أمام زواج الأقارب بلا رهبة، إلا أن نوعية العلاج هذه ليست متاحة التطبيق في الوقت الراهن، والأمر لم يتجاوز مرحلة التجريب والاستنتاج، لذا فتجنّب المخاطر من البداية هو الحل الأسهل والأسلم.

لكن أحمد شوقي، زميل كلية الأطباء الملكية بلندن، يختلف مع الطرح السابق، ويقول “الدراسات الحديثة أكدت أن زواج الأقارب ليس المسؤول الأول والوحيد عن إصابة الأبناء بالأمراض الوراثية الناتجة عن انتقال الصفات المرضية المتنحية من الأبوين، وهو أمر لا ينتج عن زواج الأقارب فقط، وإنما يرتبط بمدى انتشار العامل الوراثي المرضي المتنحي بين أفراد الأسرة من ناحية والمجتمع ككل من ناحية أخرى”، مشيرا إلى أنه إذا كانت نسبة انتشار العوامل المرضية كبيرة بين أفراد المجتمع أكثر منها في الأسرة الواحدة، أصبح زواج الأقارب لا يمثل أدنى خطورة في هذه الحالة، كما في مرض الأنيميا المنجلية الذي تتعاظم فرص انتشاره لدى أطفال زيجات القربى إذا كان العامل المرضي الوراثي منتشرا بين الأسرة الواحدة بصورة أكبر من انتشاره في المجتمع الخارجي.

ويضيف شوقي “لكل عملة وجهان، فإذا كان زواج الأقارب يزيد من نسبة الإصابة بالأمراض الوراثية من وجهة نظر البعض، فإنه أيضا يساهم في تأصيل بعض الصفات الجميلة والمحببة في الأجيال الجديدة، كمضاعفة نسبة الذكاء والجمال وطول العمر”.

أما أحمد فؤاد نور، الأستاذ بالأكاديمية الطبية لجراحة الأورام، فيقول “إن الأمراض التي تصيب أطفال زواج الأقارب محددة تقريبا، وهي مدرجة في العديد من الإحصائيات العالمية والمحلية، وتنحصر في أمراض الدم والأورام السرطانية والأنيميا الحادة، وكذلك أمراض الصدر والحساسية”.

وأوضحت الدراسات أن إصابة هؤلاء الأبناء بالأمراض الوراثية، يؤثّر بالسلب على حالتهم النفسية ويجعلهم عرضة للاكتئاب والتوتر، وأيضا لقائمة طويلة من الأمراض النفسية والعصبية، والحل المجدي الذي يمكن الاعتماد عليه قبل إتمام هذه الزيجات إذا كان لا مفرّ منها، هو إجراء الفحص الطبي قبل الخوض في إجراءات الزواج، لتجنب العديد من المشكلات والأمراض الوراثية التي تهدد مستقبل هذه الأسرة الصغيرة، لأنّ الفحص يساعد في العلاج المبكّر لبعض الأمراض التي استطاع الطب أن يمتلك مفاتيحها.

ويؤكد على ضرورة هذا الفحص برغم نفقاته الباهظة، والتي لا تلائم إمكانات الكثيرين، ولكن هناك قضاء أخفّ من قضاء، ونأمل أن تحاكي دولنا العربية، الدول الأجنبية المتقدمة كفرنسا وأميركا، من حيث توفير مراكز طبية متقدمة لإتمام هذه الإجراءات بنفقات يسيرة تناسب ظروف الجميع.

وعن احتمالية انتقال الأمراض النفسية بالوراثة من الآباء إلى الأبناء، يقول محمد عبدالسلام، أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة “إن فرصة الإصابة بالمرض النفسي المتوارث تتزايد لدى أبناء زواج الأقارب، إذا كانت جذورهما المشتركة لها تاريخ مع المرض، وليس بالضرورة أن يعاني أحدهما من الأعراض الظاهرة للمرض النفسي، حيث يكفي أن يكون حاملا له في جيناته الوراثية، ومن أشهر الأمراض القابلة للتوريث نجد الصرع والتخلف العقلي والفصام وذهان الهوس والاكتئاب، وهنا يلتقي الجين الضعيف لدى كل من الأبوين لتنتج عنهما جينات جديدة أكثر قوة، وبالتالي أقدر على إصابة أبناء هذه الأسر”.

21