"زواج التجربة" وسيلة عصرية لتجنب الطلاق أم مظلة دينية لتقسيم المجتمع المصري

انتفاضة دينية في مصر ضد تضمين عقود الزواج اشتراطات تمنع الخلافات المستقبلية.
الأربعاء 2021/01/20
تجربة مجهولة العواقب

متخصصون في العلاقات الأسرية يعوّلون على الوعي المجتمعي في التخلص من هيمنة فتاوى المؤسسات الدينية، التي تكبل حرية المرأة والرجل في اختيار الصيغ الحديثة لعقود الزواج وتحرمهما من تقرير مصيرهما بنفسيهما، تحت مظلات دينية مصلحية وبمباركة من بعض رجال الدين.

القاهرة- طرح محامٍ مصري مبادرة تحمل اسم “زواج التجربة” أثارت جدلا دينيا واسعا في البلاد، لاسيما بعد أن أصدر الأزهر فتوى تحرم هذا النوع من الزواج.

وقال أحمد مهران، في بث مباشر عبر صفحته في فيسبوك، مساء الإثنين، إن المبادرة كانت محاولة للمصالحة بين زوج وزوجة كانت تريد رفع دعوى طلاق ضد زوجها، وبالفعل تمت المصالحة وفق شروط متفق عليها بين الطرفين. وأضاف أنه حدثت ضجة كبيرة بعد انتشار صور لـ”عقد” هذه المبادرة دون قراءة مضمونها، مشددا على أنه “ليس عقد زواج أو تجربة لأن الأخير عبث”.

وكان أول ظهور لمبادرة “زواج التجربة” عبر صفحة المحامي ذاته في فيسبوك، خلال أكتوبر الماضي. وقال مهران حينها إن تلك المبادرة تهدف إلى “التقليل من الطلاق”.

أحمد مهران: مبادرة زواج التجربة تهدف إلى التقليل من الطلاق
أحمد مهران: مبادرة زواج التجربة تهدف إلى التقليل من الطلاق

وفي يونيو 2019 أفاد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر (رسمي) بارتفاع عدد حالات الطلاق في البلاد بنسبة 6.7 في المئة عام 2018 مقارنة بعام 2017.

وكشفت الإحصائيات السنوية التي أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن حالات الطلاق ارتفعت إلى 225929 حالة عام 2019 مقابل 211554 حالة عام 2018، بنسبة زيادة قدرها 6.8 في المئة.

أما عدد عقود الزواج فبلغ 927844 عقدا عام 2019، مقابل 887315 عقدا عام 2018، بنسبة زيادة قدرها 4.6 في المئة، ولكنها تظل أقل من أعوام كثيرة سابقة – رغم الزيادة السكانية – مثل عام 2015 الذي سجل 969399 عقد زواج، وعام 2016 الذي سجل 938526 عقدا.

وظهر مهران في أكثر من وسيلة إعلام محلية، خلال الأيام الماضية، مكررا توضيحاته بشأن المبادرة، غير أن نار التفسيرات اشتعلت عبر مواقع التواصل بين رفض وترحيب.

وعارضت دار الافتاء المصرية دخول مثل هذا النوع من الزواج المشروط حيز التنفيذ رسميا، واتفاق بعض الأزواج على وضع جملة من الشروط في عقد القران الشرعي، تحدد الإطار الذي يسيرون عليه في حياتهم، بحيث يضع كل من الرجل والمرأة مطالبه وشروطه حول كل شيء، على أن يكون الإخلال بأي بند بمثابة الفسخ التلقائي للعقد.

وأكدت دار الإفتاء، في بيان لها الثلاثاء، أن المصطلحات الجديدة التي طرأت على مفاهيم الزواج، مثل المشروط أو التجربة، تحمل العديد من المعاني السلبية الدخيلة والخطيرة على قيم المجتمع، لأنها تخالف الشرع ويتم استخدامها لتحقيق دعاية رخيصة من جانب البعض، وتهدد استقرار وتماسك الأسرة، وحسمت أمرها بأن مثل هذه العقود فاسدة وباطلة شرعا وقانونا.

وقالت دار الافتاء “تجنب الخلافات الزوجية المستقبلية لا يكون بوضع شروط خاصة بكل طرف والحرص على كتابتها بشكل تفصيلي في وثيقة الزواج الرسمية، أو إنشاء عقد آخر منفصل مواز لوثيقة الزواج الرسمية، بل عبر المزيد من الوعي بمشاورة المختصين، والتنشئة الزوجية السليمة، والتأهيل للزوجين في كل المراحل”.

واستبقت مؤسسة الأزهر، دار الإفتاء، في وصف الزواج المشروط بالباطل والفاسد، وقالت إنه يخالف الشرع والعقل والمنطق، وذهبت إلى أن اشتراط أي زوج على الآخر في وثيقة عقد القران فكرا دخيلا على المجتمع، تروج له عناصر لا تريد الاستقرار للأسرة أمر مرفوض، وعلى كل العائلات أن تكون لها مواقف حاسمة في هذا الشأن تجنبا للعيش في أزمات مستقبلية.

واتفقت المؤسستان على ضرورة وضع شروط بين الزوجين لرسم حياتهما الأسرية، لكن بطريقة شفهية دون أن يكون ذلك من خلال بنود مكتوبة في وثيقة الزواج. في حين استقر رأي جهات الفتوى على بطلان اشتراط الزوجة على شريك حياتها أن يتزوج من امرأة أخرى بذريعة أن ذلك يسقط حقه الشرعي، ولا يجوز تعميم هذه الأفكار بين عموم الناس.

ويرى أنصار الزواج المشروط، أن تحديد كل طرف شكل الحياة الزوجية التي يستريح لها مع شريكه، السبيل الأمثل لمنع الخلافات الزوجية في المستقبل وتجنب الدخول في دوامة من الصراعات والمشاحنات التي تصل إلى المحاكم، ويكون الأبناء هم ضحاياها. ومن الضروري أن يكون هناك اتفاق حول قضايا بعينها وحسمها في بادئ الأمر، وإقرار الطرفين بقبولها.

الهروب من دوامة الفتاوى

صيغ جديدة للزواج تتمرد على أفكار رجال الدين
صيغ جديدة للزواج تتمرد على أفكار رجال الدين

يبرهن هؤلاء على رؤيتهم، بأنه لا يحق للرجل أن يتزوج امرأة لا ترتدي الحجاب، ثم بعد الزواج منها يلزمها بالحجاب ويخيّرها بين الاستمرار معه أو التمسك بموقفها. وهنا يحق لأي فتاة أن تضيف بنودا واشتراطات كهذه إلى عقد الزواج، لتجنب الصدام بين الطرفين، ووضع حد للرجال الذين يستغلون فرصة تضحية النساء بحقوقهن من أجل تجنب حمل لقب مطلقات.

ويبدو أن الشروط التي صار الأزواج يحاولون إدراجها في عقود الزواج، السبيل الأمثل للالتفاف بشكل عقلاني على جمود بعض علماء الدين الذين يرفضون أي صيغ جديدة بين الزوجين، مثل تحديد مطالب كل طرف من الآخر بعد الارتباط الرسمي. وطالما أن الهدف من ذلك يحمل أبعادا إنسانية واجتماعية فلا يحق للمؤسسة الدينية التدخل في ما يقرره الأزواج.

وقالت آية محمد، وهي فتاة جامعية، إن زيادة الخلافات الزوجية لأسباب واهية، لا يمكن حلها إلا بوضع النقاط على الحروف منذ اللحظة الأولى، فما المانع دينيا من اشتراط امرأة على زوجها أن تكون له زوجة ثانية وثالثة ورابعة، أو أن تشترط عليه أن تستمر في عملها وألا يفرض عليها أن تكون ربة منزل مستقبلا، طالما أن عقد الزواج كان علنيا وبحضور الشهود والمأذون.

وأضافت الشابة لـ”العرب”، أن “الزواج المشروط إنصاف للمرأة في مجتمع يكيل الاتهامات لها بالتمرد والخروج عن الأعراف وعدم الانصياع لزوجها مهما كانت مطالبه خارج حدود العقل والمنطق. والمعضلة في مدى استقلال المرأة عن قرار عائلتها ليكون لها مطلق الحرية في وضع الاشتراطات التي تلبي طموحاتها في الزواج وتضمن لها حياة أسرية مستقلة بعيدة عن التوترات”.

مساحة من التنوير والتحضر

Thumbnail

لكن ما يثير امتعاض البعض، هو أن تحريم المؤسسة الدينية لعقود الزواج المشروطة سوف يتسبب في انتكاسة للفتيات اللواتي يعشن في مناطق شعبية وقبلية وريفية. وتمثل الفتوى عند أرباب الأسر هناك وثيقة لا يحيدون عنها، بحكم التدين بالفطرة، والخوف من تبعات ارتكاب أفعال محاطة بالتحريم وتحدي الدين وإمكانية زواج الفتيات بطريقة مخالفة للشرع.

فمثلا، يستفتي رب الأسرة شيوخ السلفية الذين صارت آراؤهم مطابقة إلى حد بعيد لرأي المؤسسات الدينية في قضايا أسرية، رغم أنه لا يمكن أن يوافق ابنته على وضع شروط في عقد الزواج، ما يعني أن الاشتراطات يصعب تفعيلها دون وجود مساحة من التنوير والتحضر لدى العائلات التي ترفض أن تتحكم الفتاوى في علاقاتها الاجتماعية.

كما أن الفتاوى التي تحرّم الزواج المشروط قد تتسبب في أزمات كثيرة للأزواج الذين استقلوا برأيهم ومواقفهم عن المؤسسة الدينية، لأن المجتمع سوف يوصمهم بارتكاب فعل مشين ومحرم وربما يكونون عرضه للاتهام بأنهم يعيشون مع بعضهم دون سند شرعي، فيما جهات الفتوى لا تعير اهتماما لكل ذلك، ولا يعنيها سوى استخدام سلاح الترهيب لتثيبت رؤيتها.

ويعول متخصصون في العلاقات الأسرية، على زيادة الوعي المجتمعي في التخلص من الهيمنة الدينية، حيث يتم ترك الحرية الكاملة للرجل والمرأة في وضع الشروط التي تضمن لكلاهما أن يعيش حياة عائلية خالية من الصراعات والانقسامات، لأن التحريم المطلق لأي اشتراطات يكرس الخلافات الزوجية، ويقضي على فرص التفاهم وحل الخلافات وفق المتفق عليه من البداية.

وإن كانت جهات الفتوى اعتادت استسهال تحريم أي علاقة زوجية بشكل سريع ما جعلها محل رفض بين الأجيال المعاصرة لكنها مع ذلك لم تسأل نفسها، عن أسباب انتشار هذه الثقافة عند هؤلاء، مع أنها لو أمعنت التدقيق في المبررات، لوجدت أن التوجهات الجديدة رسالة تمرد واضحة على التشدد الديني في المجتمع، ورفض اتخاذ مواقف تجاه قضايا أسرية يتم الاستناد فيها إلى رؤى دينية قديمة.

أنصار الزواج المشروط يعتبرون أن تحديد شكل الحياة الزوجية يمثل السبيل الأمثل لتجنب دوامة الصراعات في المحاكم

فمن تشترط على زوجها الارتباط بثانية، لجأت إلى وضع هذا الشرط لأن المؤسسة الدينية في كل مناسبة تبيح حق الرجل الزواج من أربعة. والتي تضع شرطا لعدم ترك عملها بعد الزواج، تفعل ذلك لأن رجال الدين منحوا الأزواج حق تحويل المرأة من موظفة إلى ربة منزل. ومن تشترط الخروج من المنزل بأريحية، استندت إلى تشدد آراء حرمت عليها هذا الفعل.

ولم تدرك المؤسسة الدينية بعد أن مواقفها المتحجرة واستسهالها التدخل في حياة الأزواج بشكل فج، هي ما دفعت الأجيال المعاصرة إلى السير في طريق الزواج المشروط، للهروب من دوامة الفتاوى التي تحض على العنف البدني واللفظي بدافع “تأديب الزوجة”، وكرست مفاهيم مغلوطة مثل “بيت الطاعة” والطلاق الشفهي، وجعلت من المرأة أسيرة في بيت الزوجية.

الشيء الوحيد تقريبا الذي اعترض عليه بعض المتخصصين في مسألة الزواج المشروط، أن يكون مقدمة لزيادة حالات الطلاق، لأن إقرار الزوجين بإمكانية فسخ العقد بمجرد الإخلال بنصوصه قد يكون مدخلا للانفصال، بحكم أن الحياة الزوجية متقلبة ومتغيرة، وقد تطرأ عليها مستجدات لم تكن موجودة عند أي طرف قبل الزواج.

وقالت فاطمة محمد، استشارية العلاقات الزوجية، إن اتفاق الرجل والمرأة قبل الارتباط الرسمي على كل شيء، ضمانة لحياة خالية من الصدامات ليعرف كل طرف حدوده وما له وما عليه، لكن المعضلة في أن أيّ طرف قد يخل بالاتفاق لأسباب خارجة عن إرادته، أو لظروف لم يخطط لها أن تحدث، وقد لا يقتنع الشريك بذلك، ويطلب الطلاق.

وأوضحت لـ”العرب”، أنه لا يجب استسهال وضع الشروط بين الطرفين، حتى لا تتحول الحياة الزوجية إلى معركة مستمرة لتطبيق ما نصت عليه وثيقة الزواج، والأهم أن تكون هناك مساحة من التفاهم والتلاقي بين الرجل والمرأة، لا أن يصبح كل منهما قاضيا على الآخر، مع وجود قناعة بحتمية التنازل عن هفوات مستقبلية حتى لو كان ذلك مخالفا لشروط العقد.

13