زواج الشباب من مسنة أجنبية بديل أكثر رحمة من قوارب الموت

ارتفع معدل زواج الشباب من مسنات أجنبيات في الدول العربية، وسهلت مواقع التواصل الاجتماعي التعارف وساعدت الشباب الباحثين عن حلول لواقعهم البائس في الهرب من الفقر والبطالة إلى هجرة قانونية أو الفوز بعائد مادي كبير.
الأحد 2017/12/10
حل بديل عن الاصطفاف أمام السفارات الأجنبية

القاهرة – تحول الزواج بالنسبة لبعض الشباب العرب من استقرار وبناء عائلة إلى مشروع تجاري يتيح الانتقال من واقع بائس إلى جنة الأحلام، أو تحسين الوضع المادي في بلادهم، من خلال الزواج بمسنات أجنبيات يعين تماما بأنها صفقة لتبادل المنفعة.

وتصاعدت نسبة هذا الزواج خلال السنوات الأخيرة وخاصة في دول المغرب ومصر، وبينما يدق خبراء الاجتماع جرس الإنذار من هذه الظاهرة التي بلغت مستويات خطيرة، وتهدد بالكثير من المشكلات، إلا أن الحلول غائبة باستمرار في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية وإحباط الشباب، وصمت الحكومات التي قللت من صداع مطالب التشغيل والحد من البطالة.

وأوضحت إحصائية صدرت مؤخرا عن مكتب زواج الأجانب بوزارة العدل المصرية أن هناك نحو 546 حالة زواج لمصريين من أجنبيات كل شهر، وأغلبهن مسنات، ويتراوح متوسط أعمارهن بين 55 و65 عاما.

وتنحصر أغلب جنسيات المسنات في دول روسيا وأوكرانيا وأرمينيا وأذربيجان، ولا تخلو الزيجات من جنسيات أميركية وفرنسية وإيطالية.

واللافت إلى الانتباه أن طريقتي الزواج (الشباب من مسنات أجنبيات، والعرب من قاصرات) دليلان دامغان على أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تلعب دورا مغذيا في هذه الزيجات، وإفرازات كلاهما تكاد تكون واحدة.

وتعد المدن الساحلية مناطق ازدهار هذه الزيجات مثل الغردقة وشرم الشيخ ودهب، على البحر الأحمر، والأقصر وأسوان بجنوب مصر، بحكم الطابع السياحي لتلك المدن وإقبال الأجانب عليها، والأمر ذاته ينطبق على الأماكن السياحية في تونس والجزائر والمغرب.

مع زيادة عدد الزيجات من مسنات، ظهرت مهنة محامي الأجانب في المدن السياحية والمختص فقط في عقود الزواج

حلم السفر

ويحكي الشاب العشريني حسام صابر، الذي كان يعمل بائعا متجولا في الشوارع السياحية بشرم الشيخ، عن قصة زواجه من سيدة إيطالية تجاوز عمرها الستين، قائلا “منذ وطأت قدماي أرض شرم الشيخ وأدرك أنني لن أتخلص من حالة الفقر، إلا عن طريق الزواج من أجنبية”.

وأضاف صابر صاحب الملامح الشرقية، أن خفة ظله وتعلمه بعض الكلمات الإيطالية والإنكليزية ساعداه في جذب سيدة إيطالية ليتزوج منها عن طريق أحد المحامين، مؤكدا أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لينهي حياة الشقاء التي تعيشها أسرته منذ زمن بعيد.

وقال لـ”العرب” إنه رفض إقامة مشروعات سياحية في شرم الشيخ لأن السيدة التي تزوجها كانت بالغة الثراء، وكان هدفه محددا منذ البداية، وهو السفر إلى الخارج عبر البوابة الآمنة وهي الزواج من أجنبية، بدلا من اللجوء إلى الهجرة غير الشرعية، وتعرضه للموت في عرض البحر.

وبالفعل سافر ليعيش في إيطاليا مع زوجته المسنة، ويعود لزيارة مصر سنويا برفقتها، ويصر على التنزه في الأماكن التي شهدت بدايته وأوقاته العصيبة، وهو مدرك أن من عملوا معه من قبل يتمنون الحصول على نصف فرصته.

وتتم عادة الزيجات بشكل عرفي عبر مكاتب منتشرة في المدن السياحية لهذا الغرض، ويتم توثيقها في الشهر العقاري بوزارة العدل المصرية، لتسهيل إجراءات سفر الشاب مع الزوجة، والحصول علي التأشيرة من سفارتها والإقامة في بلدها وبدء رحلة جديدة، قد تكون خالية من المعاناة المادية، لكن لها ضريبتها النفسية والاجتماعية، ففارق السن وانعدام المتعة الحقيقية كفيلان بهدم عش الزوجية.

نبيل السمالوطي: كل سيدة تقبل الزواج من شاب لديها هدف محدد، إذا لم تتمكن من الحصول عليه تترتب مشاكل عديدة

وتتراوح أعمار الشباب من العاملين في غالبية المدن السياحية بين 20 و30 عاما، معظمهم يعملون في مهن بسيطة كعمال في ملهى ليلي أو حراس أمن في الفنادق، وعدد كبير منهم حصلوا على مؤهلات تعليمية متوسطة، وهناك من تزوجوا ولديهم درجات علمية رفيعة، لكن اختياراتهم العمرية تكون أقل نسبيا، في منتصف الأربعينات وبداية الخمسينات من العمر.

وتحدث البعض عن تجربة زواجهم بصراحة لـ”العرب”، مؤكدين أنه يقوم على المنفعة، حيث تبحث السيدة المسنة عن شاب صغير يقبل أن يكون زوجا لها ورفيقا معها يشعرها بأنوثتها الغابرة، مقابل أن يفوز الشاب بمكاسب مادية مختلفة، بالسفر إلى الخارج أو الإقامة في مصر والحصول على مبالغ مادية كبيرة من زوجته، تمكنه من التغلب على شظف العيش.

وقال حاتم علي، شاب ثلاثيني من محافظة البحيرة (شمال القاهرة)، حاصل على مؤهل متوسط، إنه رفض العمل في الزراعة مع والده، وكان حلمه العمل بأحد فنادق مدينة الغردقة على البحر الأحمر، وعن طريق أحد أقاربه عمل في محل عطور هناك.

وأوضح لـ”العرب” كم الصعوبات التي تعرض لها بسبب ضعف راتبه الشهري وإقامته في غرفة واحدة مع أربعة أشخاص، وكاد ينهي رحلته ويعود إلى مسقط رأسه، لكن أحد المحامين عرض عليه الزواج من سيدة روسية تكبره بثلاثين عاما، وبعد أن كان يعمل بائعا في متجر بمدينة الغردقة، أصبح يمتلك محل عطور، وتعلم اللغة الروسية، وسافر عدة مرات إلى روسيا مع زوجته.

وروى الشاب محمد (30 سنة) من محافظة قسنطينة الجزائرية أن الكثير من الشباب الجزائريين الراغبين في الهجرة، يلجأون إلى التعارف عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو مواقع أخرى مخصصة لهذا الغرض على الإنترنت مع أجنبيات، ويهتمون بشكل خاص بالمطلّقات أو الأرامل، لسهولة إقناعهن مقارنة بالشابات، وبالتالي تزداد فرصة الزواج والسفر.

وقال الشاب خريج اللغة الفرنسية إنه أقدم على الزواج من امرأة فرنسية تبلغ 53 سنة، وسافر إلى بلادها وهو يزور الجزائر كل عام برفقتها.

وكانت قصة الشاب التونسي محمد حديث مواقع التواصل الاجتماعي لشهور، حيث تقدم محمد البالغ من العمر 32 عاما بالزواج من جين البريطانية المطلقة البالغة من العمر 42 عاما ولها 10 أحفاد بعد علاقة حب جمعت بينهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن وزارة الخارجية البريطانية رفضت إعطاء محمد التصريحات اللازمة لدخول بريطانيا لإتمام زواجه، فما كان من السيدة إلا السفر لتونس وقامت بعقد قرانها هناك رغم تحذيرات الكثير من أنها من الممكن أن تتعرض إلى النصب والاحتيال، واعتنقت جين الدين الإسلامي وارتدت الحجاب حسب أقوالها، وقامت بنشر صور الزفاف عبر حسابها على فيسبوك.

محاضر أقسام شرطة السياحة تكشف عن عمق الأزمة التي خلقتها ظاهرة زواج الشباب من أجنبيات، وتكمن أولى الأزمات في أحقية بقاء الأبناء في حضانة الأب

زواج المنفعة والمتعة

لا تتوقف زيجات المنفعة والمتعة عند الزوج والزوجة فقط، لكن مع زيادة عدد الزيجات من مسنات، ظهرت مهنة محامي الأجانب المقيم في المدن السياحية، والمختص فقط في عقود الزواج بين الطرفين مقابل مبالغ مادية تتراوح ما بين 300 و500 دولار.

وأرجع ثروت عبدالمجيد، وهو محام يعمل بمدينة شرم الشيخ المصرية، الأمر إلى الفقر ومستوى المعيشة المتدني، وهما من أهم العوامل التي تجبر الشباب على التفكير في الزواج من مسنات في مصر من أجل الفوز بحياة أفضل، مشيرا إلى أن الكثير من المحامين تحولوا إلى همزة وصل للباحثات عن شاب مصري مناسب وقوي البنية للزواج منه.

وأشار لـ”العرب” إلى أن هناك فئات عدة من الزيجات، كل زيجة لها ثمنها، فمثلا الزواج من شاب بسيط بمؤهل متوسط أقل تكلفة من الزواج من شاب متعلم بشهادة عليا، وهكذا.

وتختلف طموحات أصحاب الشهادات العليا عن الأقل، إذ يرغب أصحاب الفريق الثاني (الأقل تعليما) من الزواج من أجنبيات للحصول على مبلغ من المال والبدء في مشروعاتهم الخاصة، بينما يميل أكثر أنصار الفريق الأول (الأكثر تعليما) إلى السفر والهجرة وبدء حياة جديدة بعيدا عن بلدهم.

وقال الشاب محمد علي منصور، حاصل على شهادة عليا من كلية الألسن قسم اللغة الألمانية، إنه تعرف على فتاة ألمانية عبر الإنترنت، وأقنعها بالحضور إلى مدينة الغردقة وتزوج منها، ثم دبت الخلافات بينهما، لبعد المسافة بين ثقافته وثقافتها، وانتهت المسألة بالانفصال.

وتابع “وجدت أن زواجي من فتاة صغيرة لا يمنحني ميزة نسبية، فهي جميلة وغنية وتريد أن تعيش حياتها بطريقة سليمة، مليئة بالحب والحنان والعواطف، وأنا فقدت هذا النوع من الترف، وتحولت مشاعري إلى دفتر شيكات على بياض، لذلك بحثت عن سيدة أكبر في السن تقبل بتحقيق رغباتي المادية، وأمنحها رغباتها الجنسية، وتزوجت من سيدة أوكرانية تبلغ من العمر 60 عاما، دعمتني وساهمت في إقامة مشروع تجاري لي في الغردقة، وسافرت معها ثم عدت إلى بلدي، وانتهى المشروع سريعا لعدم التكافؤ”.

صمت الحكومات تجاه الظاهرة التي قللت من صداع مطالب التشغيل والحد من البطالة

مخاطر اجتماعية

يرى خبراء اجتماع أن اختلاف العادات والتقاليد، وعدم الزواج عن حب وانتفاء الرغبة في بناء أسرة حقيقية، في مقدمة العوامل التي تؤدي إلى فشل الزيجات.

وكشفت محاضر أقسام شرطة السياحة في الكثير من المدن السياحية في مصر عن عمق الأزمة التي خلقتها ظاهرة زواج الشباب من أجنبيات، وتكمن أولى الأزمات في أحقية بقاء الأبناء في حضانة الأب، لأن أغلب الزيجات تنتهي بعد فترة قصيرة إلى الطلاق ويصبح بقاء الأبناء مع الأب في مصر أو الأم في بلدها خلافا حادا تنشب عنه مشاكل عدة، أبرزها هروب الأم وأبنائها إلى بلدها ويصبح بعدها حصول الشاب المصري على أبنائه عملية شبه مستحيلة.

وفي حال عدم وجود أبناء عند الزواج من مسنات وحدوث انفصال، تلجأ غالبية السيدات إلى سفارات بلدانهن في القاهرة، لتولي مهمة استرداد الأموال التي حصل عليها الشاب-الزوج، ويدخل في دوامة من المشكلات، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع السياسية، وإذا تمكنت السيدة من الحصول على توقيعات بالمبالغ التي أنفقتها على الشاب، قد تتعرض حياته للدمار ودخول السجن.

وأكد نبيل السمالوطي أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر في القاهرة أن هناك الكثير من المخاطر التي تترتب على هذا الزواج، لأنه يؤدي إلى زيادة نسبة العنوسة في المجتمع المصري، ويهدم فكرة الأسرة المصرية المحافظة نتيجة اختلاف العادات والتقاليد.

وأضاف لـ”العرب” أن حلم السفر إلى الخارج عبر الزواج من أجنبية، الذي يسيطر على عقول الشباب في ظل الضغوط المعيشية، لم يعد مليئا بالورود، لأن كل سيدة تقبل الزواج من شاب لديها هدف محدد، إذا لم تتمكن من الحصول عليه تترتب مشاكل عديدة، غالبيتها تأخذ طابع الانتقام من النفس أو الآخر، مثل الإقدام على الانتحار والقتل، وهو ما يفسر ارتفاعها في المدن السياحية.

ويلعب التباين في العادات والتقاليد والثقافات دورا سلبيا في تحطيم غالبية هذه الزيجات، فبعد أن يحصل كل طرف على ما يريده سوف يكتشف أن القصة كلها مصالح ومنافع غير دائمة، وحتى فكرة الونس التي تبحث عنها بعض المسنات سرعان ما تتلاشى لأن الشاب الذي يقبل بها لن يستطيع التعامل مع زوجة قد تكون أكبر من والدته.

تعددت شكاوى الزوجات الأجنبيات ضد أزواجهن المصريين، وتصل 15 بلاغا شهريا أقسام الشرطة، وأغلبها تتعلق باتهامات نصب الأزواج على أجنبيات والاستيلاء على أموالهن.

وحذر مراقبون من تفشي هذه الظاهرة التي وصفوها بأنها أحد أنماط الاتجار بالبشر، واستغلال واضح للظروف المعيشية الصعبة، لأنها تروج لما يمكن وصفه بالسياحة الجنسية. وطالبوا بإطلاق حملات توعية حول خطورة هذه الظاهرة.

صحافي مصري

19