زواج المراهقات انتهاك مقبول في المجتمعات العربية

جدل مستعر في العديد من المجتمعات العربية منذ زمن بعيد، بين إسلاميين يطالبون بتخفيض سن زواج الفتيات إلى 12 عاما أو أقل بذريعة أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج السيدة عائشة وهي في التاسعة من عمرها، وعلمانيين يصفون زواج الفتيات قبل العشرين عاما بـ”الجريمة” التي لا بد أن يحاسب عليها القانون.
السبت 2015/08/15
71 بالمئة من المراهقات في صعيد مصر تزوجن دون توثيق رسمي

تعيش بعض المجتمعات العربية معاناة تتمثل في انتشار زواج المراهقات لأسباب مختلفة، على رأسها الجهل والتخلف والفقر الشديد والتقاليد البالية.

الظاهرة باتت تشكّل آفة مجتمعية وانتكاسة حقيقية لمكتسبات المرأة المصرية والعربية، التي انتزعتها على مدى سنوات طويلة، ودارت حولها المناقشات والدراسات والتوصيات دون التوصل إلى نتيجة أو حلول تحد من انتشارها.

وقد أظهرت دراسة ميدانية أجراها قسم الصحة العامة بكلية الطب بجامعة أسيوط (جنوب مصر) بالتعاون مع مجلس السكان الدولي بالقاهرة وشملت 729 فتاة تحت سن 18 عامًا من محافظتي أسيوط وسوهاج في صعيد مصر، أن 71 بالمئة منهن تزوجن دون توثيق رسمي، بسبب عدم بلوغهن السن القانونية، وأن 94.4 بالمئة من أسر المتزوجات حصلت على ضمانات مالية “شيك على بياض أو إيصالات أمانة” من الزوج لحين تسجيل الزواج عند بلوغ الفتاة السن القانونية للزواج.

الدراسة التي هدفت إلى وضع هذه الفئة المهمشة على خارطة اهتمامات صنّاع القرار من أجل استحداث برامج وخدمات لتحسين الصحة الإنجابية للفتيات، فرضت تحليل مضامينها في ندوة عقدت منذ أيام بجامعة أسيوط.

أوضحت الدكتورة أميمة الجبالي، أستاذ الصحة العامة بكلية الطب بجامعة أسيوط، أن الندوة هدفت للتعرف على الظروف الحياتية التي ترفع معدلات تعرّض الفتيات لمخاطر الزواج المبكر الصحية والاجتماعية، حيث أنهن أكثر عرضة لمشاكل الحمل والولادة، وما يصاحبهما من حالات وفيات، بسبب ضغوط الأهل للحمل بعد الزواج مباشرة وعلى فترات متقاربة، وعدم القدرة على استخدام وسائل تنظيم الأسرة في ظل عدم وجود معلومات كافية في ما يتعلق بصحتهن الإنجابية.

بعض الأسر تلجأ إلى تزوير سن الفتاة من أجل توثيق الزواج، عبر شهادة طبية تعيد تسنينها من جديد

الخوف من العنوسة، وحمل هم مستقبل البنت منذ لحظة ولادتها، هي ثقافة منتشرة بكثافة في محافظات الصعيد، وهي السبب في اتساع نطاق الظاهرة كما قالت لـ”العرب” منال فتحي استشاري العلاقات الأسرية، لذلك تقبل الكثير من الأسر خطبة البنت بمجرد أن تبلغ 9 سنوات، على أن يتم الزواج في عمر الـ11 عاما، بصرف النظر عن الآثار السلبية التي تلحق بالفتاة الصغيرة نتيجة لهذا الزواج.

زواج المراهقات يطلق على الزواج المبكر للفتاة ويتم قبل أن تصل الفتاة إلى سن النضوج بعد انتهاء فترة المراهقة والتي تستمر حتى سن الـ17 وفي بعض المجتمعات 19 عاما، وقد تحول إلى ظاهرة في المجتمع المصري، مع اختلاف الأسباب من حالة إلى أخرى، وليس الفقر هو المتهم الوحيد في تزايد الظاهرة، إنما طمع بعض الآباء دفعهم للتجارة بأجساد بناتهم تحت ذريعة الستر، أما الحلول فكلها لم تخرج من الإطار النظري إلى أرض الواقع إلا في حيز ضيق جدا.

أكدت منال فتحي على فقدان الفتاة المراهقة لأهلية الزواج، سواء من الجانب الفسيولوجي أو العقلي، وما يحدث يفتقد لمضمون وروح الزواج الحقيقي وهو استغلال فاضح لجسد فتاة قاصر.

وقالت نادرة سالم المتخصصة في أمراض النساء والتوليد لـ”العرب” إن كل ما يهم هؤلاء الرجال هو متعتهم الذكورية الخاصة التي سيحصلون عليها من جسد فتاة صغيرة، وهناك العديد من المخاطر تتعرض لها المراهقة خلال هذا الزواج، فنسبة حدوث الحمل في هذه السن المبكرة أكثر من 75 بالمئة، وارتفاع نسبة وفيات الأمهات من مرتين إلى خمس مرات عن نسبة الوفيات في السن من 20 إلى 35 سنة، لأن رحم الفتاة الصغيرة يكون ضعيفاً وغير مهيأ للحمل، كما أن عملية الولادة تتطلب جسداً قوياً مكتمل البنيان، بالإضافة إلى القيء المستمر عند حدوث الحمل.

الكثير من الرجال يتجاهلون مخاطر الزواج من فتاة مراهقة من أجل إشباع متعتهم الذكورية

وقال الدكتور أحمد الدردري وهوطبيب أطفال وأجنة لـ”العرب” أن جنين الأم المراهقة يكون عرضة إلى تأخر نموه ذهنيا نتيجة لانعدام أو ضعف الرعاية التربوية، حيث لا يمكن للأم القاصر، أن تقوم بواجبها التربوي كأم ناضجة، وتنتج عن ذلك اضطرابات نفسية للطفل عندما يكبر.

مضاجعة طفلة في سن صغيرة تحت مسمى الزواج نمط من أنماط الانحرافات الجنسية أو ما يسمى علمياً بـ”البيدوفيليا” وجريمة مسكوت عنها ترتكب في حق الفتيات، كما قال سامح شوقي، استشاري الطب النفسي مستنكرا الحرمان العاطفي الذي تتعرض له الفتاة المراهقة كنتيجة حتمية لترك والديها، ويوضح لـ”العرب” أن حرمان الفتاة من الاستمتاع بطفولتها عبر تزويجها مبكرا، يؤدي إلى اضطرابات في العلاقة الخاصة مع زوجها، لعدم إدراك طبيعتها.

قانون العقوبات المصري يجرّم زواج الذكور والإناث ممن تقل أعمارهم عن 18 عاما، ويعتبر ذلك بمثابة تزوير في محرر رسمي، لكن على الرغم من تطبيق القانون بشكل صارم، إلا أنه لا يجد استجابة حقيقية في معظم القرى والنجوع المصرية، التي اعتادت فيها بعض الأسر على تزويج بناتها في سن مبكرة.

وقال عصام أبو العينين الخبير القانوني لـ”العرب” إن بعض الأسر تلجأ إلى تزوير سن الفتاة من أجل توثيق الزواج، عبر شهادة طبية تعيد تسنينها من جديد.

وأضاف أن العقوبة لا تقتصر على أهل الفتاة فقط، إنما تتم ملاحقة المأذونين الموثقين، باعتبارهم شركاء في الاتفاق والمساعدة بالتزوير. إلا أن هناك آلاف الزيجات لبنات دون السن القانونية، تتم عن طريق التحايل على القانون بالزواج العرفي، ثم المصادقة عليه، وإذا نتج عن تلك الزيجة مولود يتم تأخير تسجيله سنة أو سنتين إلى حين تسجيل عقد زواج والديه، بالتالي يتأخر انضمامه إلى الدراسة، أو يتم تسجيله باسم جده، وهناك أيضا عصابات للسمسرة في بعض القرى للمتاجرة بالقاصرات، خاصة لكبار السن وراغبي المتعة من الأثرياء.

وأشار أبو العينين إلى أنه لا يتوقع القضاء على تلك الظاهرة بالقانون فقط بل لابد من قيام وسائل الإعلام بدور فعال في الحد منها، عبر التعبئة الاجتماعية والثقافية للمواطنين.

21