زواج متعة يخلف لعنة تستمر ثلاثة أجيال

يتخذ الكاتب المغربي الطاهر بن جلون من مسقط رأسه مدينة فاس، مسرحاً لأحداث روايته الجديدة ” زواج المتعة”، فالمدينة عند بن جلون ليست جغرافيا فقط، إنها تمازج حيوي بين الجامد والمتحرك، ليروي من خلالها قصص العابرين والساكنين على طريقة “كان ياما كان” في الحكايات العربية القديمة.
السبت 2017/09/23
المتعة تتحول إلى لعنة

في مستهل روايته الجديدة “زواج المتعة” يبني الطاهر بن جلون مدخلاً منطقياً للحكاية، يضع المتلقي في إطار جغرافي وزمني وتاريخي يحدِّدُ تماماً ما يريد في المسار السردي لبطل النص الفاسي أمير، فمدينة فاس التي وقعت تحت الحماية الفرنسية، كانت تدير ظهرها للعالم وتتمتع طبقتها الأرستقراطية بامتيازات عديدة.

بطل حكاية “زواج المتعة” تاجر فاسي اسمه أمير، متزوج من الللا فاطمة، لديه ثلاثة أولاد وبنت واحدة، الابن الصغير لديه هو مفصل الارتباط بين الوالد والعائلة، فمنذ ولادته حمَّل العائلة خوفا على استمرار حياته بسبب خط جيني إضافي، جعله مصابا بمتلازمة داون، أو ما يعرف بـ”المنغولية”، هذه الإصابة لم تكن عائقاً أمام الصغير للانطلاق نحو الحياة فتميز في الحساب والموسيقى معاً، ما دفع والده لاصطحابه إلى السنغال التي اعتاد زيارتها كل عام بغرض التجارة.

خطوط متشابكة

يقدِّم بن جلون خطوطاً درامية متشابكة في مستهل النص مدعِّماً كل خط حكائي بآراء دينية أو اجتماعية، يدعم فيها الأسباب والنتائج التي يسير إليها الأبطال واحداً واحداً، فيطرح نقاشاً حول قضية زواج المتعة، وكيف قام به المسلمون خلال الغزوات الأولى حتى منعه عمر بن الخطاب، يتناول ذلك من زاوية فهم المجتمع للنصوص، وليس من باب تقديم حكم على هذه النصوص، فهو يعالج حالة التطويع التي يمارسها المجتمع لأي نص ديني كي يخدم الأهواء الشخصية الذاتية.

يظهر الخط الدرامي المرتبط بنابو في بدايته مرتبطاً بالأرض السنغالية الأفريقية، إنها روح تائهة تبحث عن جدودها وتخاف الموت، هي التي لا تدين بأي ديانة تجد المسألة مرتبطة بدخولها في الإسلام كي تكون زوجة للتاجر الفاسي، هكذا يتم الاتفاق بين الطرفين بحضور الطفل المنغولي الذي يرافق موكب العرس من داكار حتى فاس.

دخول المرأة السنغالية إلى عائلة الفاسي لم يكن أمراً سهلاً، فقد اصطدم هذا مع جملة من العوائق الاجتماعية، لكن الأيام تمر بالكثير من المشاكل التي تسببها غيرة الللا فاطمة حتى يهجرها الفاسي بعد أن يكبر أبناؤه فتتزوج الفتاة في وجدة وينتقل الصبيَّان إلى القاهرة لإكمال تعليمهما، بينما يستمر كريم المنغولي في الحياة مع والده وشقيقيه الجديدين، حضور التوأم أبناء نابو كان مفاجأة للمحيط الخارجي فهما حسن الأسود وحسين الأبيض، تناقض الحياة يظهر هنا، بين الأسود والأبيض، فتنتقل العائلة إلى طنجة حيث يبدأ الوالد بالعمل في التجارة متنقلاً في مجالات عديدة حتى يستقر به الحال في المتاجرة بالأدوات الكهربائية قبل أن يفارق الحياة.

ثلاثة أجيال

ينتقل بنا الطاهر بن جلون عبر ثلاثة أجيال من عائلة أمير عارضاً مفارقات عديدة لمواقف متغيرة تؤثر فيها جملة من التصورات المسبقة عن لون البشرة السوداء، حنين إلى داكار يصيب سليم ابن حسن الأسود الذي يتم ترحيله من طنجة بعد يقين شبه تام بأنه يحمل أوراقا مزورة، مهاجر سري غير شرعي تم ضبطه في طنجة القريبة جداً من جبل طارق، هكذا ينتقل من زاوية إلى زاوية في السرد، بارتكاز تام محوره نابو التي بدأ الشيب يغزو رأسها، فتظهر شخصية سليم الابن والحفيد الأسود.

رواية اجتماعية تخترق الواقع بشرائحه كافة، لترسم النقائض مجتمعة، في موقف يبنى على ذهنية عنصرية راسخة

شخصية سليم الذي يحمل في ذاكرته الذاتية صورة الذهنية العربية والأفريقية السنغالية، بتنوع الثقافتين، يغدو عربياً في داكار وأفريقياً في طنجة، هكذا تبدو الصورة من بعيد حتى يدرك الشاب أن لا مقام له في هذه البلاد، فيقصد نقطة التهريب نحو سبتة الواقعة تحت الحكم الإسباني، على السياج الحديدي حيث يحاول المهاجرون من أقوام عديدة العبور نحو حياة أخرى، فتُرديه رصاصات حرس الحدود قتيلاً، ليتحول إلى جثة في ثلاجة الموتى في الجزيرة، رقم يحمله الشاب الذي عاش غريباً، رقم وضعه في قائمة طويلة من ضحايا الهجرة غير الشرعية في العالم، لتنتهي مأساة الجيل الثالث من زواج المتعة بالموت في رواية الطاهر بن جلون.

يبدأ السرد في عتبة الحكاية بتصور عام لفاس وساحاتها، أزقتها وحاراتها، سكانها وأحيائها، فالراوي هنا حكواتي يأتي في كل عام مرة حيث ينتظره الأهالي للاستماع إلى قصص شيقة عنهم، أبطال الحكاية هم وإن لم يعرفوها، فالمغرب في تنوعه خزان قصص نائمة تنتظر من يوقظها، لا بد من الإشارة هنا إلى أن فاس هي مسقط رأس الطاهر بن جلون الذي استند إلى ذاكرة شخصية في مفاصل السرد ودوائره، فقدَّم الصورة المشتهاة في عقله الباطن عن المدينة، فيستخدم لسان الحكواتي على طريقة “كان ياما كان”، حكايةٌ شعبية تُبنى حجرةً حجرة، وخطوة خطوة، إنها حقيبة متكاملة قدَّمها الطاهر بن جلون في “زواج المتعة” الصادرة في عام 2017 عن دار غاليمار أعرق وأكبر دور النشر الفرنسية، بترجمة محمد المزديوي إلى النسخة العربية التي نشرها المركز الثقافي العربي في الدار البيضاء بدعم من وزارة الثقافة المغربية. “زواج المتعة” الاسم الذي يحمل الكثير من الاستناد إلى قضايا دينية وقصص وسير تتعلق بالعصر الإسلامي الأول، ليست رواية دينية تناقش هذا المفهوم، إنها رواية اجتماعية تخترق الواقع بشرائحه كافة، لتقدِّم النقائض مجتمعة، في موقفٍ يُبنى على ذهنية راسخة تغزوها في كثير من الأحيان عنصرية بغيضة مقيتة، تحاكم الإنسان على لونه أو اسمه أو دينه، هذه الأشياء التي لم يخترها الإنسان بملء إرادته، يعيدها الطاهر بن جلون إلى طبيعتها الأولى القائمة على فكرة الصراع.

قيمة رواية “زواج المتعة” أنها لا تتبنى موقفاً من أي شخصية فيها، لا انحياز فيها بالمطلق إلى خط درامي ضد خط آخر، حديث مبني على دوائر سردية تتقاطع مع بعضها البعض بتقنيات السرد التي استفاد فيها الكاتب من المدارس الأوروبية في تقديم نموذج جديد من الكتابة.

16