زوال كائنات حية ونباتات يهدد حياة الإنسان

الكائنات الحية وأشجار الغابات مهددة بالزوال من العالم الطبيعي بسبب الاحتباس الحراري وانبعاث الغازات الدفيئة.
الثلاثاء 2019/05/07
ما نفعله بأرضنا يعود علينا بالوبال

أما آن الأوان للبشرية التي تعيش على وجه الأرض أن تعي الخطر الذي يهددها جرّاء استغلالها المفرط للثروات الطبيعية، وأن مستقبل الإنسان صار رهين حسن تدبيره في استغلال الثروات الحيوانية، والحفاظ على الأشجار والتقليل من الانبعاثات الغازية التي تخنقه كل يوم؟ علماء البيئة وخبراء المناخ يطلقون صيحات الفزع من الخطر الذي ينشئه الإنسان بيده.

 باريس - تدمّر البشرية بسرعة العالم الطبيعي الذي يعتمد عليه بقاؤها واستمرارها، وفقا لتقرير أصدرته الأمم المتحدة الاثنين حول حالة الطبيعة، وقد أظهر أن خطر الانقراض سيطال مليون نوع من الحيوانات والنباتات في فترة لا تتخطى بضعة عقود للكثير منها.

وقال روبرت واتسون وهو عالم بيئي بريطاني يرأس المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، إن التغيّرات التي أحدثتها عقود من نهب الغابات والمحيطات والتربة والهواء وتسميمها تهدد المجتمعات بـ”القدر نفسه على الأقل للتغير المناخي”.

ما يثير القلق هو أن الوتيرة المتسارعة التي تختفي بها كائنات فريدة، أسرع بمئات المرات من مثيلاتها خلال العشرة ملايين سنة الماضية، وقد تُدخل الأرض في أول انقراض جماعي منذ انقراض الديناصورات قبل 66 مليون سنة.

ويمثل المليون نوع، المعرض للخطر، ثُمن العدد الإجمالي المقدر للأنواع النباتية والحيوانية التي يعتقد أنها موجودة.

من الممكن بدء إجراءات حماية البيئة واستخدام الطبيعة بشكل مستدام إلا إذا كانت المجتمعات مستعدة لمواجهة المصالح الراسخة التي تبقي على الوضع القائم

ولم يعد أكثر من نصف مليون من هذه الأنواع يتمتع بالظروف المناسبة للبقاء على المدى الطويل دون استعادة البيئة الطبيعية.

وقال جوزيف سيتيلي الأستاذ في مركز هيلمهولتز للبحوث البيئية في ألمانيا والرئيس المشارك في منصة العلوم والسياسات الحكومية الدولية المعنية بالتنوع البيولوجي وخدمات الأنظمة البيئية، إن البشر ليسوا معرضين لخطر الانقراض على المدى القصير. وأضاف، “من الصعب تحديد ما إذا كانوا يواجهون خطر الانقراض على المدى الطويل”.

وخلص التقرير إلى أن تحويل مسار هذه الاتجاهات الكارثية سيتطلب “تغييرا جذريا” لتأمين الإصلاح الشامل للطريقة التي ننتج بها ونستهلك بها كل شيء تقريبا وخصوصا الغذاء.

وقال واتسون، “نحن نقضي على أسس اقتصاداتنا وسبل عيشنا والأمن الغذائي والصحة ونوعية الحياة في أنحاء العالم”.

وأضاف، أنه لن يكون من الممكن بدء إجراءات حماية البيئة واستخدام الطبيعة بشكل مستدام إلا إذا كانت المجتمعات مستعدة لمواجهة “المصالح الراسخة” التي تبقي على الوضع القائم، لكنه أضاف، “التقرير يبلغنا كذلك بأن الوقت لم يفت لإحداث تغيير، لكن إذا بدأنا من الآن على كل المستويات من المحلي إلى العالمي”.

وبالاعتماد على 15 ألف مصدر وتقرير أساسي مؤلف من 1800 صفحة، يعرض الملخص التنفيذي بالتفصيل، كيف أن شهواتنا المتزايدة عرقلت التجديد الطبيعي للموارد بدءا بالمياه العذبة والهواء والتربة المنتجة.

حلقة مفرغة

التلوث يضرب المحيطات والأنهار كل عام
التلوث يضرب المحيطات والأنهار كل عام

وأظهر تقرير صدر في أكتوبر عن اللجنة الدولية للتغيرات المناخية التابعة للأمم المتحدة صورة قاسية مماثلة للاحترار المناخي، وأبرز الحاجة إلى تحولات مجتمعية “على نطاق غير مسبوق” لحصر الاحترار المناخي بدرجة مئوية ونصف الدرجة.

وقد ارتفع مقياس الحرارة العالمي بمقدار درجة مئوية، ووفق الاتجاهات الحالية، سيرتفع بـ3 درجات أخرى بحلول نهاية القرن.

ويبدو أن تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، يغذيان بعضهما بعضا في حلقة مفرغة. وتعد إزالة الغابات والزراعة الصناعية من العوامل الرئيسية لتدهور الكائنات الحية والأنظمة البيئية، لكنهما تمثلان ربع انبعاثات غازات الدفيئة على الأقل والتي هي من صنع الإنسان.

وفقد العالم في العام الماضي 12 مليون هكتار من الغابات المدارية، أي ما يوازي مساحة كوريا الشمالية تقريبا، بما يشمل 3.64 مليون هكتار من الغابات المدارية الأولية الضرورية للمناخ والتنوع الحيوي، بحسب دراسة حديثة أعدها المشروع العالمي لمراقبة الغابات.

ولا تحتوي الغابات على العديد من أنواع الأشجار فحسب، بل تعتبر مستودعا هائلا للكربون، الذي له تأثير عظيم على المناخ.

وينظر العلماء إلى الأشجار كحل محتمل لإزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، أثناء عملية التمثيل الضوئي، حيث يتم استخدامها لتشكيل الكربوهيدرات التي تستخدم في بنية النبات ووظيفته.

وتقوم الأشجار أيضا بإطلاق الأوكسجين مرة أخرى في الغلاف الجوي كنتيجة ثانوية للتمثيل الضوئي، وقالت ديبورا لورانس، الأستاذة بجامعة فرجينيا، في دراسة سابقة، “عندما تزول أشجار المناطق المدارية، فستواجه هذه المناطق درجة عالية من الاحتباس الحراري وأشد مستوى من الجفاف”.

وتؤدي إزالة الأشجار الغابية وزراعة النباتات الغذائية مكانها إلى إطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو، ما يسهم بدوره في إحداث الاحتباس الحراري، وفي الوقت ذاته تصير المناطق المنزوعة الأشجار أقل قدرة على الاحتفاظ بالرطوبة وسرعان ما يؤدي ذلك إلى تغير أنماط الطقس محليا.

ويدفع الاحتباس الحراري بدوره الآلاف من الحيوانات والنباتات إلى خارج مواطنها الطبيعية، كما يكثف موجات الحر والجفاف التي أشعلت حرائق لم يسبق لها مثيل في أستراليا وإندونيسيا وروسيا والبرتغال وكاليفورنيا واليونان.

وقد حذر التقرير الجديد من أن الدوافع المتداخلة لظاهرة الاحتباس الحراري مع فقدان التنوع البيولوجي تشير إلى حلول مشتركة لكن هناك احتمالا لتعارض السياسات أيضا.

وتفرد خطط جعل الاقتصاد العالمي مراعيا للبيئة دورا كبيرا للوقود الحيوي والحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وهي تقنية تعرف بـ”بيكس″.

لكن المساحات الضخمة من الأراضي اللازمة لزراعة المحاصيل المستخدمة في إنتاج الوقود الحيوي على هذا النطاق، وهي تعادل ضعفي مساحة الهند، ستصطدم بتوسع المناطق المحمية وجهود إعادة الأحراش ناهيك عن إنتاج الغذاء.

مجتمع استهلاكي

تلوّث الهواء يحصد أرواحا أكثر من التبغ
تلوّث الهواء يحصد أرواحا أكثر من التبغ

للمرة الأولى، صنفت هيئة الأمم المتحدة الأسباب الخمسة الأولى لفقدان كائنات حية وتدهور الطبيعة.

يكمن السببان الأول والثاني في مواطن الكائنات الحية المتناقصة أو المتدهورة، والصيد الجائر بحثا عن الطعام أو التجارة غير المشروعة في كثير من الأحيان، بأجزاء من تلك الحيوانات.

ويقول العالم البريطاني ديفيد أتنبوره “فعلى صعيد الاستثمار… لا بأس إذا كنت تستخدم الأرباح لكنك لن تكون سخيفا إلى حد القضاء على رأس المال. لكن هذا ما نفعله بالطبيعة حاليا”. وقال إن نسبة البشر وحيواناتهم تمثل 96 بالمئة من مجموع كل الثدييات، مضيفا، “لقد قضينا على البقية. 70 بالمئة من كل أنواع الطيور لم تعد موجودة. نحن في ورطة فظيعة”.

وصرح بأنه يجد “صعوبة في المبالغة في الخطر الذي نواجهه. نحن في طور انقراض جديد…”. وأضاف أن المستعمرين الأوائل في أميركا الشمالية لم يفهموا كيف أن استهلاكهم لنوع واحد يؤثر على الأنواع الأخرى.

وأعطى مثالا لصيد ثعالب البحر سعيا للحصول على فرائها ما أدى إلى ارتفاع أعداد قنافذ البحر التي كانت فريسة تلك الثعالب، وأوضح أن القنافذ استهلكت بعد ذلك المزيد من أعشاب البحر التي كانت تضع فيها الأسماك بيوضها. وأضاف “عند إزالة غابات أعشاب البحر لم تعد الأسماك قادرة على التكاثر والبقاء”.

وبينما جاء التغير المناخي في المرتبة الثالثة ضمن الأسباب الرئيسية لفقدان الأنواع، إلا أنه من المرجح أن يكون له أثر متزايد في العقود القادمة، ومن المرجح أن يتقدم في المراتب، إنه يؤثر بالفعل على الطبيعة في جميع المستويات بداية من الجينات وحتى النظم الإيكولوجية.

وحذر ديفيد أتنبوره من أنه كان يجب التعامل مع تغير المناخ منذ وقت طويل لافتا إلى أنه “مع هذه الوتيرة السريعة التي يتغير فيها المناخ وترتفع فيها درجات الحرارة سنواجه مشكلة حقيقية، إلا إذا عملنا على تطبيق اتفاق باريس للمناخ”.

ويهدف اتفاق باريس للمناخ الذي اعتمد في ديسمبر 2015 من قبل 200 دولة إلى الإبقاء على مستوى درجات الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين، وضبطها على 1.5 درجة مئوية، بالمقارنة بالحقبة ما قبل الصناعية.

وأكدت كل من المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد ومسؤول شؤون الموازنة في الصندوق فيتور غاسبار أن الوصول إلى هدف ضبط الاحترار العالمي بدرجتين مئويتين “يتطلب تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى الربع بحلول عام 2030، وضريبة عالمية ثابتة على الكربون بنحو 70 دولارا للطن”. وقال أتنبوره “وإلا (…) سنتجه نحو كوارث كبرى. لا شك في ذلك”.

وتأتي في المرتبتين الرابعة والخامسة مشكلة التلوث مع 400 مليون طن من المعادن الثقيلة والرواسب السامة والنفايات الأخرى التي تلقى في المحيطات والأنهار كل عام.

وبينت دراسة نشرت في شهر أبريل الماضي أن التلوث تسبب بحوالي 800 ألف وفاة في السنة في أوروبا و8.8 ملايين في العالم.

وقال البروفسور توماس مونتسل من جامعة ماينتس الألمانية، أحد القيمين على هذه الأبحاث، “هذا يعني أن تلوّث الهواء يحصد أرواحا أكثر من التبغ المسؤول عن 7.2 ملايين حالة وفاة سنة 2015 بحسب منظمة الصحة العالمية”.

تغير المناخ سيؤثر على حياتنا في المستقبل
تغير المناخ سيؤثر على حياتنا في المستقبل

وقدّر الباحثون عدد الوفيات الناجمة عن تلوّث الهواء سنة 2015 في عموم أوروبا بحوالي 790 ألفا، من بينهم 659 ألفا في دول الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرين. وهذه التقديرات أعلى بكثير من تلك الصادرة عن الوكالة الأوروبية للبيئة.

فقد أفادت الوكالة في تقريرها السنوي الصادر في أكتوبر أن تلوّث الهواء بالجسيمات الدقيقة (بقطر دون 2.5 ميكرومتر) وثنائي أكسيد النيتروجين الصادر عن المحركات العاملة بالديزل والأوزون كان السبب في وفاة 518 ألف شخص قبل الأوان سنة 2015 في 41 بلدا أوروبيا. وتتمحور الدراسة على أوروبا بشكل أساسي، غير أن القيمين عليها طبقوا المعادلات المعتمدة على بقية العالم أيضا.

وقال ألكساندر أنتونيلي مدير الحدائق النباتية الملكية البريطانية في كيو غرب لندن معلقا على التقرير “إن كل انقراض نوع من الكائنات الحية هو فشل للبشرية”. وأوضح “لا يمكننا الحفاظ على ما لدينا فقط، بل يجب عكس الاتجاه عبر زيادة التنوع البيولوجي”.

وليست لجنة الأمم المتحدة مكلفة بتقديم توصيات سياسية واضحة، لكنها تشير إلى إجراءات يمكن تبنيها للحد من هذه المشكلة المتفاقمة، أبرزها الحد من استهلاك اللحوم ووقف إزالة الغابات في البلدان المدارية وتثبيط استهلاك السلع الفارهة وتبني مفهوم لاقتصاد منخفض النمو.

وقال يون جاي شين العالم في معهد البحوث للتنمية في مرسيليا والمشارك في الدراسة إن التقرير “سيكون بمثابة أساس لإعادة تحديد أهدافنا” قبل انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة بشأن التنوع البيولوجي في الصين في أكتوبر 2020.

20