زوبعة الفنجان

الخميس 2014/06/12

أقرأ رسائلي الألكترونية كما أفعل يوميا، في صباح على غير عادته، زقزقة العصافير ترن في بيتي، وكأنني لست برأس الخيمة المدينة الصحراوية البعيدة، بل في لبنان، وأني لو برحت إلى نافذتي، سأرى “روشة” بيروت وصباياها الفاتنات.

ولما وجدت بريدا يحمل عنوان “السيسي وزوبعة الفنجان”، تأكدت بأنه صباح مختلف، لكن حين فتحت “الإيميل” بحثا عن المتجرئ على إعادة تدوير أفكاري، بطلت الأعجوبة، وظلت غرابة غناء العاصفير عند نافذتي تسعدني.

كانت رسالة ألكترونية من “شعدون” يعتذر فيها عن الحضور، لانشغاله بتلقيح أفكار آخرين، وأنه قرر كتابة مقال عني هذا الأسبوع، ونصحني بتصديره إليكم، كما صدره هو إليّ دون زيادة أو نقصان:

“زوبعة الفنجان” ليست غلطة مطبعية أو ثقافية، فهي تختلف عن “زوبعة في فنجان”، أي “مشكلة صغيرة وسوف تنتهي”، لا، إنها تصغير لمشكلة كبيرة، للتمكن من الإمساك بأطرافها، وإعادة تشكيلها على طريقة الفيزياء السياسية.

وقبل الاسترسال سأعود إلى نظرية الفوضى/الشواش Chaos، التي تشّبه الدورات المناخية بفنجان القهوة، فسطح سائل القهوة في الفنجان يبرد قبل قاعه، فيسقط السطح المثقل من البرودة نحو قاع الفنجان، ليصعد السائل الأسخن للسطح، ويحدث هذا الهبوط والصعود بشكل متواتر، مسببا ما يعرف بتيارات الحمل الحراري. وتظل تيارات الحمل هذه تعمل مادامت هناك حرارة في الفنجان، ولا تتوقف حتى تتجانس حرارته تماما، وغالبا ما يعني هذا أن تصل درجة حرارة الفنجان (القهوة) إلى نفس درجة حرارة الغرفة.

إذن، الحرارة هي الطاقة التي تحرك تيارات الحمل، أي أنها لا تحدث ارتجاليا، ومصدر حرارة فنجان القهوة هو الماء المغلّى الذي صنعت منه. بالنسبة إلى المناخ فإن الطاقة التي تحرك تيارات الحمل هي الشمس، التي تشع بحرارتها على مياه المحيط مكونة المناخ الرطب، أو تشع بها على اليابسة مكونة المناخ الجاف، وهذا يعني أن المناخ على الأرض يعمل بمؤثر خارجي.

وكما أن الشمس هي التي تسيطر على مناخات المجموعة الشمسية بنورها وجاذبيتها، فإن الولايات المتحدة هي التي تهيمن على بشر الكرة الأرضية وتعولمهم، تتحكم بالحكومات -الشرقية والغربية- عن طريق الاتفاقيات والعلاقات الدبلوماسية، أو الحروب العسكرية، أو الحروب الباردة، أو من خلال سيطرتها على شعوب العالم -بما فيهم الشعب الأميركي- بثلاث طرق.

الأولى: الإعلام سواء كان تقليديا أو إلكترونيا، والثانية: المنح الدراسية التي تمنحها وزارة الخارجية الأميركية لطلاب العالم للمجيء إلى أميركا، أو للأميركان للذهاب إلى العالم، وأخيرا: الدورات التدريبية التي تقام في الولايات المتحدة، أو خارجها، ويقيمها أميركيون وحلفاء لهم في مختلف دول العالم.

وعليه فإنه بالرغم من أن المولد الظاهري لثورات الربيع العربي، هو ثالوث الفقر والجهل والظلم الاجتماعي، إلا أن طاقة المولد كان مصدرها الشمس الأميركية، وهذا باعتراف الحكومة الأميركية في أكثر من مناسبة خلال عام 2012.

وبزوغ حقيقة المعاهد الأميركية والألمانية التي أقامت دورات للكوادر الشابة والمتعلمة، قبل نهاية العقد الأول من الحادي والعشرين، دربتهم ووجهتهم فيها إلى إقامة الثورات والمظاهرات، والترويج والحشد لها من خلال برامج التواصل الاجتماعي.

بدأت ثورات الربيع العربي ملتهبة، مستمدة تأججها من حرق “البوعزيزي” لنفسه في إحدى الساحات التونسية، وتعاطفت مع البوعزيزي شعوب العالم كافة، إلى أن بدأ دخان الحريق يتلاشى وظهرت الأيدي الخفية التي كانت وراء -أو استغلت- الثورات، ففقدت الكثير من قدسيتها، وبدأ الحماس لها بالتلاشي في معظم الشارع العربي.

أما الحكومات الغربية وعلى رأسها أميركا فلقد كانت تؤجّج تلك الثورات، فكلما خمدت أوقدوها بالتلويح أن الثورة الفرنسية قد امتدت 150 عاما، وتضحك أحيانا من المثقفين العرب الذين يردّدون قضية الأمد الطويل للثورة الفرنسية (يوليو 1789)، متناسين الفتوحات الفرنسية على يد نابليون بونابرت في السنين الأولى لها، حين اكتسح كل أوروبا، بل وصل إلى مصر قبل أن تكمل الثورة عشر سنوات (يوليو 1798).

اليوم بردت الثورة التونسية، واستقرت على فكر قادتها المعتدل، وفي اليمن الوضع شبه فاتر، لولا القلاقل التي يثيرها الحوثيون، وليبيا مستقرة على تعاقب حكوماتها الضعيفة وسيطرة الميليشيات على الوضع الأمني فيها، إلى درجة أن انقلاب “حفتر” جاء باردا جدا، حتى سوريا فإن وتيرة المعارك فيها ثابته.. لكن لماذا؟

بتمحيص النظر تجد أن كل هذا سببه السيسي، بطريقة أو بأخرى؛ ولنعد قليلا إلى الوراء قبل عام بالتحديد، كان التناحر على السلطة في تونس حاميا، وكذلك الحال في اليمن وليبيا، أما فنجان سوريا فإنه لم يبرد منذ بداية الأزمة، الذي يعاد تسخينه كل مرة، فالتصريحات الأميركية والغربية، والتمويلات الخارجية للمعارضة، أو حتى الصواريخ التي كانت تطلقها إسرائيل، واليوم (يونيو 2014) فإن كل هذا قد همد.

آنذاك كانت تيارات الفنجان المصري ساخنة بسبب الإخوان، إلى درجة أن ثار الشعب عليهم، فوقف السيسي مع الشعب، ونفخ في الفنجان المصري بأنفاسه الهادئة، بشكل متقطع كلما لزم الأمر، فلقد ظلت أميركا تسخن الفنجان المصري بوقوفها خلف الضدين، لكن بعد عام من المثابرة نجح “السيسي” في توحيد حرارة الفنجان المصري.

نفحات السيسي الدافئة أبطلت مفعول الطاقة الأميركية والغربية على المنطقة كافة، فالأحوال لم تهدأ في مصر فقط، بل انعكست إيجابيا على المنطقة، فبعد أسابيع من تنظيف “رابعة” و”النهضة”، وسقوط الإخوان في مصر، بردت حدّة التناحر على السلطة في دول الربيع العربي، وتخلى الغرب عن فكرة القيام بحرب على سوريا، وصار الوضع فيها وكأنه شأن داخلي، حتى الأقطاب الفلسطينية (السلطة وحماس) تصالحت قبل أن تكمل ثورة 30 يونيو العام؛ عاشت الأيادي يا سيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي.

16