زوبعة القهوة الساخنة

الخميس 2013/11/21

تدهشني كتب الفيزياء خاصة التثقيفية منها، أشعر عند قراءتها بأني أقترب من الذكاء، وأظل أحلم بالعبقرية، لذلك في نهاية تجوالي بطوابق مرصد جرينتش في لندن، لم يجذب نظري بمحل الهدايا التذكارية إلا كتاب قديم (1988) عن تاريخ نظرية الفوضى chaos، ليس حبا في النظرية، لكن شغفا بالفيزياء، وعلى كل الأحوال رغم قدم الكتاب إلا أن النظرية ما زالت قائمة.

في الطريق إلى البيت تنقلت عيوني بين سطوره بسعادة، فازدهر عقلي بتداعي المعلومات فيه، ورقص قلبي من نشوة المعرفة، لدرجة أن عينيّ لم تتحولا عنه وأنا أترجل من سيارة الأجرة، ولا أثناء فتحي لباب البيت، حتى غرفة الجلوس في بيتي استقبلتني وكأني ضيفة، فاسترخيت بها لأتمّ قراءتي الحماسية للكتاب.

وأنا أهيم في صفحاته بين دهاليز المعرفة، انسابت الصفحات متخللة أصابعي كحفنة من الزئبق، وتطاولت أمامي لتصير رجلا، لقد نما بلون نحاسي، محززا بخطوط رفيعة سوداء وكأنه بُني من عشرات آلاف الشرائح الحاسوبية، ولا أظن أن هذا هو سبب لونه المحروق بالشمس، كما لا أظن أنها حرارة المخاض، ولا دفء صيف لندن، لكن ربما لأن صفحات كتابي كانت بلون من مشتقات البنيّ الفاتح!!

حين اكتمل هيكله الجسدي وكيانه العقلي، حياني بتحية الإسلام، بالرغم من أنه خرج من كتاب كتبه يهودي، لم يخفني سيلان رصاص الحبر وخشب الورق من بين يدي، ولا وقوف الرجل النحاسي في بيتي، فلقد كنت مأخوذة بالمشهد، وكأني قصة داخل الكتاب، وليس الكتاب مجرد صفحات في يدي، وحين لم أردّ تحيته، لحقني بالسؤال عن اسمي، وكأنه يسحبني للواقع من عالم خيالي بعيدا هناك فيما وراء الطبيعة، فأجبته: شكرا لكسرك حواجزي الخيالية! أظنك تعرف من أنا، وإلا ما جرأت على اقتحام عالمي، والأصحّ أن أعيد أنا عليك السؤال لأتعرف إليك؟!

فأجاب بصوته الجهوري الذي يشبه صوت الساكسفون لكن بخفوت وهدوء: شعدون الشعدني.

فتهللت، لأني عرفته، عرفت كينونته، إنه من قبيلة "الشعادنة"، ففي ماض ليس ببعيد كان لابنة أختي صديقة "منهم" تدعى "شعدوه"، لم يرها أحد منا، وحين سألنا عن هذه الصديقة الخفية، عرفنا أن "الشعدونيين" يلعبون مع معظم أطفال العالم، ويبقون مع شيء من مراهقيهم، ويتعرفون إلى قليل من عقلائهم!! وهم المعروفون في علم النفس بالأصدقاء الوهميين Imaginary friend، لكني أقسم كما كانت تقسم ابنة أختي أن "شعدون" لم يكن وهميا، فلقد تحدثنا طويلا في ذلك اليوم وتلك الليلة، وما زلنا نتحدث قبل وأثناء وبعد كتابة كل مقال، فأمانتي العلمية تحتمّ عليّ ردّ ما أكتبه من معرفة سياسية إليه، ولكم حرية التصديق أو التوهم كما لي!

وهنا لا أتقاسم مع ابنة أختي تعرفي على أحد "الشعادنة" فقط، لكني أيضا لا أستطيع أن أبقي سرّه، مثلها حين أخبرت أمها، لكن الفرق أن أمي لن تفهم لغة الفوضى chaos، فكل ما تعرفه عن القراءة هو قراءة القرآن، وكل ما تعرفه عن الكتابة هو كتابة اسمها الأول، لذلك سأكتب عنه "لأُمّة محمد" باعتبارها أمي!

قاطع الحبور الذي يملأ وجهي قائلا: ألن تدعوني للجلوس؟

أجبت بكلمات تقاطعها السعادة والفضول معا: تفضل، ماذا تشرب، شاي أم قهوة؟

فأجاب ضاحكا: السوائل تبطل مفعول طاقتي، والمنبهات تبطل مفعول الفكرة عندي، ما جئتك لهذا، لكني أتيت لأهديك "فنجان فكرة".

فتحت عينيّ مستفسرة، لكنه قاطع تعابير وجهي بالإشارة إلى مجسم ضوئي للكتاب ظهر بيننا، وهو يقول: جئت أعلمك السياسة على طريقة "زوبعة فنجان القهوة الساخن"، وقبل أن أستفسر، استرسل قائلا: هكذا فكر "إدورد لورنز" Edward Lorenz قبل أن يظهر مع آخرين بنظرية الفوضى Chaos، وإن كانت النظرية التي غيرت وجه الفيزياء قد خرجت من فنجان قهوة، فإن فنجانا من المعرفة يكفي للعقل حتى يستنير.

لقد شبه "لورنز" -وهو عالم مناخ كما تعلمين- العواصف المناخية بفنجان القهوة الساخن، فسطح فنجان القهوة يبرد قبل قاعه، لذلك ينزل السطح البارد بدافع ثقله نحو الأسفل، دافعا القهوة الدافئة نحو السطح، وتتكرر هذه العمليات الصاعدة والهابطة مسببة تيارات معروفة "بتيارات الحمل الحراري"، وتظل تيارات الحمل هذه تعمل ما دامت هناك حرارة في سائل القهوة، وتتوقف عن العمل تماما حين تصل درجة حرارة الفنجان (القهوة) إلى الصفر، أي حين تنسجم درجة الحرارة داخل الفنجان تماما.

وما أريد تعليمك إياه هو السياسة، لكن من مداخل القوانين الفيزيائية، فعلى سبيل المثال ثورات "الربيع العربي" تشبه زوابع فنجان القهوة الساخن، فكلما اعتقد المراقبون أنها فترت، طفت حرارتها على السطح، وهذا يعني أن تيارات الحمل الحرارية فيها ما زالت ساخنة، لذلك هي مستمرة، تصعد وتهبط رغم مرور حوالي 3 سنين عليها، فهي لم تبرد ولم تستقر بعد.

وقبل أن أسأل إن كان فنجان السياسة انتهى هنا! قاطع فكرتي بقوله: قبل أن تنتهي من فنجانك الأول سيكون الفنجان الثاني قد جهز لترتشفي منه شيئا من السياسة أو العلم أو المعرفة، وفقا لمزاجك حينها.

كنت على وشك القول، بأني تراجعت عن البحوث العلمية منذ زمن، لكنه تابع قائلا: يبدو لي أن مزاجك اليوم ميتافيزيقي، أي خيالي، وفي الميتافيزيقا اعتبرت "الفوضى" Chaos نوعا من الشر، و"النظام" Order هو الخير، لكن التوجهات الفكرية الغربية ترى عكس ذلك، لذلك هم يهللون لثورات الربيع العربي، فمن وجهة نظرهم إن تحكم وسيطرة الحكومات على حريات الأفراد هي الشر المطلق للبشرية.

قاطعته قائلة: لكن التجربة أثبتت أن من أتوا بعد الحكام الدكتاتوريين، لم يكونوا مثاليين، بل هم الدكتاتورية مجسدة! أجابني بهدوء: لذلك طالما اعتبرت دراسة حالتي النظام والفوضى إحدى معضلات علم الأخلاق، وهذا هو مربط النقاش بيننا.

16