زوجات يتحدين المجتمع والأسرة بالعمل ليلا

عمل الزوجة الليلي مرفوض في الكثير من الأسر العربية، والعمل الليلي يحتاج إلى الكثير من الشجاعة والإصرار على النجاح وإثبات الذات.
الأحد 2018/09/02
تخطي حاجز الخوف

تتطلب الكثير من الوظائف من النساء العمل ليلا، ولا تتقبل الكثير من المجتمعات المحافظة خروج المرأة إلى العمل ليلا خاصة المتزوجة، حيث يعرضها هذا العمل إلى مشكلات لا حصر لها، نظرا لمسؤولياتها الأسرية، إلا أن الإصرار على النجاح والتميز مكن نساء متزوجات من تحدي العادات والتقاليد التي تكبلهن وخرجن للعمل لتحقيق وجودهن.

وتقول نهى عبدالله “أعمل مضيفة طيران في إحدى الشركات، وليس هناك وقت محدد لساعات عملي لأن هذا يتوقف على مواعيد الرحلات، فمن الممكن أن أعود إلى البيت عند الرابعة فجرا، أو أغادر في الخامسة صباحا، وفي معظم الأوقات تأتي سيارة الشركة لتأخذني”.

وأضافت “المشكلة الرئيسية بالنسبة لي في بداية عملي كانت في اضطراب ساعات النوم، وعملي يحتاج إلى تركيز لأن الطيران خلال ساعات الليل مثلا يحتاج إلى عقل صاف، فأحيانا أعمل أكثر من 12 ساعة، وأذهب إلى المطار قبل السفر بساعة ونصف الساعة، ولابد أن أعد الطعام لزوجي بما يكفي خمسة أيام على الأقل ولولا تعاونه لما حققت أي نجاح”.

وصرحت أمينة رؤوف التي تعمل ضمن فريق إعداد برنامج في قناة فضائية “العمل في التلفزيون مقسم إلى فترات، وعندما بدأت العمل كنت أنتقل بسيارة التلفزيون من منزلي إلى العمل، وذلك لتوفير الحماية، ولما نضجت أكثر غامرت وأصبحت أقود سيارتي، وكان زوجي متفهما جدا، والمشكلة الوحيدة هي القلق من حوادث الليل، أما الأولاد فكنت أتركهم مع زوجي ووالدتي، ولولا زوجي وتفهمه لما نجحت، خاصة أني أضطر إلى السفر لعدة أيام لتسجيل حوارات مع شخصيات خارج مصر".

 وقالت مروة محمود، طبيبة أمراض نساء وولادة، “أضطر أحيانا إلى العمل مدة 48 ساعة متصلة في المستشفى، ما بين استقبال حالات ولادة، وإجهاض ونزيف في أي وقت”.

وتابعت “المشكلة التي أعاني منها هي المجتمع والأسرة والجيران، حيث يوجهون النقد دائما لخروجي وسهري بالمستشفى وأحيانا أشعر أني معزولة عن العالم، حتى في فترة الخطوبة وبعد الزواج كان الأولاد يقيمون عند والدتي”.

المرأة التي تتمكن من العمل ليلا، أو من ممارسة عمل يتطلب ساعات طويلة من الغياب عن العائلة، تمتلك إرادة قوية
 

وأضافت “مشكلتي أني أحب عملي جدا ولولا حب المهنة والعمل من أجل رفع المستوى العلمي والخبرة لكان الأمر غير محتمل، فحب الطب غاية لدي، والعمل في الطوارئ أمر صعب يستدعي الخروج ليلا والتضحية براحتي ووقتي، ولكن التزامي الشديد بعملي سر نجاحي وقدرتي على الاستمرار”.

وتحدثت مريم الصاوي، وهي تعمل مرشدة سياحية، عن تجربتها العملية التي تضطرها إلى السفر خارج القاهرة، لتقيم عدة أيام في أسوان أو الأقصر أو شرم الشيخ برفقة فوج من السياح، قائلة “رغم خبرتي حوالي 18 عاما في الإرشاد، يظل حبي لعملي يفوق كل شيء فأنا أجد سعادة كبيرة عندما أستمع إلى السياح الأجانب يحكون لي عن مدى حبهم لمصر، وأن أمنية حياتهم الوحيدة قبل الموت كانت السفر إلى مصر”.

وبينت قائلة “بالطبع هناك دائما بعض المشاكل في عملي مثل تأخر الفوج السياحي بسبب مواعيد الطيران وكذلك هناك رجال يرفضون عمل المرشدة وسفرها، ولكن هناك رجالا متفهمين لهذا العمل ويسمحون للمرأة بالعمل، وأتمنى في يوم من الأيام إذا ما أقدمت على خطوة الزواج أن يوفقني الله بزوج متفهم لطبيعة عملي، ولا يجبرني على التخلي عنه".

أما نهى عبدالمنعم (31 عاما) فتقول “أعمل مترجمة في إحدى الهيئات الدولية، وأحيانا أضطر إلى الغياب عن بيتي لعدة أيام بسبب وجود مؤتمر خارج البلاد، أحب عملي كثيرا وأستمتع به لأني أكره الأعمال الروتينية، لذا أنا متمسكة بعملي جدا لأنه يحقق لي متعة السفر واكتشاف بلاد الله الواسعة، كما أنه يؤمن لي دخلا ماديا جيد جدا، وبالنسبة لي لولا مساعدة زوجي وأمي على الاهتمام ببعض تفاصيل الحياة اليومية ما كنت تمكنت من النجاح في عملي”.

وفي هذا السياق يقول الدكتور فهمي عبدالمنعم أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة “عمل المرأة الليلي أو الذي يتطلب غيابا عن المنزل لعدة أيام يحتاج إلى الكثير من الشجاعة والإصرار على النجاح وإثبات الذات، وأيضا اليقظة والتركيز، والمجتمع مازال يرفض خروج المرأة وحيدة دون رجل في الليل، وبالتالي فعملها مرفوض من قبل الكثير من الأسر المصرية خاصة إذا كان  يبدأ من الثانية عشرة وحتى الصباح”.

وأشار إلى أن “المرأة المصرية استطاعت أن تتخطى الكثير من العقبات وتتجاوز حاجز الخوف وتمارس الكثير من المهن التي تتطلب العمل لساعات طويلة والسفر والخروج بعد منتصف الليل والعودة في السادسة صباحا”.

كما نبه إلى أن “العمل ليلا له طابع آخر، إذ تحفه المخاطر، حيث تتغير العادات في النوم وقائمة من الاحتياطات الأمنية التي يجب أن تسير عليها المرأة دون نقاش.. فهي قبل الخروج يجب أن تعد كل ما يلزم بيتها وأولادها، وتأخذ قسطا كافيا من النوم، وتلك أمنية غالية، فهي ليلا تعمل ونهارا تعمل في بيتها وترتب شؤون أولادها لأن حياتها مقلوبة، وتلك شهادة لقدرة المرأة وتحملها لمشقة العمل”.

ويرى الدكتور أحمد عبدالرحيم خليل، أستاذ الطب النفسي، أن المرأة التي تتمكن من العمل ليلا، أو من ممارسة عمل غير روتيني يتطلب ساعات طويلة من الغياب عن الحياة العائلية، تمتلك إرادة قوية تساعدها على مواجهة هذا النوع من العمل غير التقليدي، وأيضا تحقيق ذاتها من خلاله.

21