"زوجة الجزار".. امرأة جائعة تنتقم من زوجها

رواية "زوجة الجزار" تكشف عن قبح الطبيعة البشرية فتعرض شعور جزار الخنازير بنشوة كبيرة عند الذبح فيما يتخذ من جسد زوجته أداة للتنفيس عن رغبات الجسد الثائر.
الاثنين 2020/09/07
لي آنغ تفضح العنف الذكوري في المجتمع الصيني

العنف ضد المرأة قضية شائكة وموجودة منذ الأزل، ولا عجب أن يظهر أيضا داخل المجتمعات الصينية، بل كانت يقظة أبناء الشعب التايواني منذ سبعة وثلاثين عاما على هذه القضية المثيرة للجدل، وذلك إثر صدور رواية “زوجة الجزار” للكاتبة التايوانية لي آنغ، ما يثبت أهمية الأدب في طرح القضايا الاجتماعية الشائكة.

صدرت أخيرا رواية “زوجة الجزار” للكاتبة التايوانية لي آنغ، بترجمة وتقديم الكاتبة والمترجمة المصرية ميرا أحمد، لافتة إلى أن الرواية تتناول المقاومة البائسة للمرأة داخل المجتمعات الذكورية، فكان قتل الزوجة لزوجها هو محاولة للدفاع عن النفس، لكن المجتمع الذكوري غض الطرف عن هذا الأمر ونظر إليها على أنها امرأة قاتلة مجرمة تستحق أقسى العقاب وانتصر للمجتمع الذكوري وحكم على البطلة لين شي بالإعدام والتنديد بها في موكب جماهيريّ مهيب لتحذير الجماهير مستقبلا وخاصة النساء.

وأشارت ميرا أحمد في مقدمتها للرواية، الصادرة عن دار الفراشة، إلى أن الرواية التي صدرت قبل سبعة وثلاثين عاما أي في عام 1983، تؤكد على يقظة ووعي المجتمع التايواني آنذاك بالقضايا الاجتماعية الشائكة وخاصة العنف ضد المرأة، وصدرت في ذلك الوقت عدة قوانين في شأن تجريم العنف ضد المرأة. فالمرأة لا تحتاج إلى حماية، بل تحتاج إلى قوانين عادلة تضمن لها حقوقها.

ضحية العنف

كان الدافع الرئيسي لقتل البطلة لزوجها هو العنف الجنسي والجوع، فدائما يكون المرء في مواجهة هذين الأمرين هشا وبدائيا، ولم يكن الوصف الجنسي في هذه الرواية وصفا طويلا أو رائعا، بل كان قاسيا ومهينا ودمويا وبدائيا وقد امتزج بدموع البطلة طوال أحداث الرواية. ويبدو أن الكاتبة لي آنغ في حالة القتل اللاواعي قد استلهمت هذه المشاعر الدقيقة من قصة “أمنيات العام الجديد” للكاتب الصيني لوشون.

ميرا أحمد استعرضت جوانب مهمة من مسيرة الكاتبة التايوانية لي آنغ
ميرا أحمد استعرضت جوانب مهمة من مسيرة الكاتبة التايوانية لي آنغ 

وقالت المترجمة إن بطلة الرواية “لين شي”عانت من معاملة لاإنسانية وتجرعت المرارة في أيام حياتها؛ بسبب الشائعات والافتراءات، وكانت جارتها العجوز هي السبب الرئيسي وراء هذه الشائعات حولها وحول أمّها، حيث صورتها على أنها فتاة جشعة وسيئة السلوك وكسولة، وقد سمعت هذه الافتراءات والإهانات والسخرية منها ومن أمها من وراء باب جارتها العجوز التي كانت تعتقد أنها ملاذها الآمن ممّا تكابده في حياتها مع زوجها، وهنا بدأ الجانب النفسي للبطلة في الانهيار فتداعى كيانها الروحي، وبدأت تعيش منزوية على نفسها تخشى الجميع وتتحاشى أن يراها أحد، لأنها أيقنت أنها في عيون الجميع فتاة سيئة السلوك مثلها مثل أمها.

وأوضحت ميرا أحمد أنه إلى جانب العنف الجسدي الذي تعرضت له البطلة على يد زوجها، كانت هناك محنة أخرى في الحياة، وهو الجوع الذي عانت منه البطلة منذ طفولتها وكأنه غيمة لا تفارق سماء حياتها. وبسبب وفاة والدها طردت هي وأمها من منزلها واستولى عمها على البيت، وبسبب الجوع وقعت أمها فريسة في يد أحد الجنود، وفي النهاية دفعت حياتها ثمنا للبعض من كريات الأرز. وعلى الرغم من تعرض البطلة للتعذيب على يد زوجها، إلا أنها كانت تشعر بالسعادة حينما كان يسمح لها بتناول الطعام، وفي بعض الأوقات كانت تحاول الحفاظ على ما بقي من كرامتها حتى وإن تضوّرت من الجوع، حتى حلمها المتواضع في أن تجمع بعض النقود لتشتري الطعام حينما ابتاعت صغار البط لتربيتها، اغتاله زوجها الفظ، وفي مشهد دمويّ ذبح صغار البط في وحشية كبيرة تنمّ عن ميوله العدوانية وطباعه الوحشية التي يتسم بها بطل الرواية؛ جزار الخنازير. حتى أنها عجزت عن التسول على الطرقات، وهنا تكون قد وصلت إلى طريق مسدود وتداعت شخصيتها بالكامل وبلغت حافة الجنون.

في النهاية وفي لحظة فقدانها لعقلها، قتلت زوجها ولم يكن لديها خيار آخر حتى تتخلص من هذا الوحش الذي أفقدها كرامتها وإنسانيتها، وكان السم الإقطاعي هو السبب في اغتيال الكثير من النساء البريئات مثل “لين شي”.

وأكدت ميرا أحمد أن الرواية تكشف عن قبح الطبيعة البشرية، فتعرض الزوج جزار الخنازير وهو يشعر بنشوة كبيرة عند الذبح ومن اتخاذه لجسد زوجته أداة للتنفيس عن رغبات الجسد الثائر. وعرضت الرواية نموذجا آخر للقبح البشري وهي العجوز التي عانت سنوات طوال من الحرمان والكبت العاطفي حتى صارت تضطهد كل النساء الأخريات. وهناك نقطة أخرى ينبغي الإشارة إليها في الرواية وهو الجو الغامض والبدائي في بعض تفاصيل الرواية التي جعلتها تحمل نكهة أسطورية خاصة، والتي يمكن رؤيتها من خلال التفاصيل النموذجية مثل النصب التذكاري للخنازير الموضوع أمام المذبح، وشبح الموت وبعض الأساطير الخرافية التي تنبئ بمصير بعض أبطال الرواية.

الإنسان والوحش

رواية تسلط الضوء على العنف الجنسي والجوع
رواية تسلط الضوء على العنف الجنسي والجوع

استعرضت ميرا أحمد جوانب مهمة من مسيرة الكاتبة التايوانية لي آنغ التي ولدت في بلدة لوجانغ في تشانغهوا في عام 1952 واسمها الحقيقي شي شودوان. وتخرجت في جامعة الثقافة الصينية في تايوان قسم الفلسفة وحصلت على درجة الماجستير في الدراما من جامعة أوريغون الأميركية. بدأت العمل الإبداعي في سن السادسة عشرة بسبب تأثرها بشقيقتيها الكاتبة شي شو وشي شو تشينغ وكانت لا تزال في المدرسة الثانوية. وقد تلقت تعليمها في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات في تايوان حيث فترة تغريب تايوان، فاتسمت أعمالها بوعي غربي كبير، وهي تمثل الجيل الجديد من كتاب تايوان.

وأضافت أن لي آنغ مثلها مثل بعض كاتبات جيلها؛ لم تمزق ستائر الحب والرومانسية في الكتابات التقليدية فحسب، واقتحمت دائرة المحرمات، بل عالجت القضايا الإنسانية والذات البشرية. وقد عالجت في كتاباتها المعتقدات اللاواقعية والسخيفة بشأن الوجود الإنساني والتاريخ والواقع.

 التغيير الكبير في الهيكل الاجتماعي ونظام القيم في تايوان، صاحبه المزيد من التطور في الهيكل الإبداعي وموضوعات الروايات، فظهر العديد من الرجال والنساء في الأعمال الأدبية، وظهر التطور الروحي والمادي في المجتمع التايواني وظهرت بعض الشخصيات البرجوازية من أصحاب المعرفة المحدودة في الأعمال الإبداعية. وبعد التسعينات عكست أعمالها التاريخ المظلم للنساء الصينيات المهمشات ومصائرها المأسوية، وشنت هجوما ضاريا على المجتمع الذكوري اللاإنساني.

ورأت أحمد أن لي آنغ تستخدم قلما حادا في كسر القيود الاجتماعية والمحرمات لتحليل سيكولوجية الشخصيات، قصد عرض القضايا الاجتماعية الشائكة. وتدور معظم أعمالها حول قضايا الحب العصرية وهي تفهم جيدا المشكلات الجنسية والأخلاقية التي واجهت الشباب والفتيات أثناء فترة التحول الاجتماعي، وتتسم أعمالها بالإضافة إلى الابتكار الأدبي والتجديد بالرقة والرومانسية خاصة في الكتابات النثرية.

وقد فسرت الأمر في أحد حوارتها الصحافية قائلة “الهدف النهائي للأدب هو الكتابة عن الذات البشرية، لكن الذات البشرية مقيدة بأغلال اجتماعية، وأنا أتوق إلى استكشاف مشكلات الذات البشرية التي قيدتها القيود الاجتماعية”.

ويقول النقاد عن لي آنغ أنها جاءت من أقدم المجتمعات الأسطورية التايوانية، وهي مفعمة بحماسة بالغة نحو العالم الجديد. وراح أسلوب كتاباتها الجريء في استكشاف العام بين الخيال الغامض وسخرية الواقع، والعلاقات المتشابكة بين الحب والرغبات الجنسية. وقد أورثت كتاباتها الأسلوب الذي كان يطمح إليه الأدب التايواني لمدة خمسين عاما والذي جسد الكرامة وحرية الفكر وكره الزيف والنفاق والتعاطف مع الضحايا الأبرياء ويمثل الأدب التايواني الحالي.

وتابعت أن لي آنغ شعرت بقلق كبير إزاء الظواهر المختلفة التي نشأت في المجتمع التايواني الحقيقي، ولاحظتها بعناية وانعكست في أعمالها. وقد تأثرت لي آنغ بكتابات شقيقاتها الكاتبة شي شو والكاتبة شي شو تشينغ، وهما كاتبات تايوانيات شهيرات. وفي عام 1983 فازت روايتها “زوجة الجزار” بالجائزة الأولى لمجلة “يونايتد ديلي نيوز”. وقد أحدثت هذه الرواية ضجة كبيرة داخل أوساط الأدب التايواني آنذاك.

الرواية اتخذت من الريف التايواني خلفية درامية، وراحت تستكشف عدم القدرة على التنبؤ بطبيعة النفس البشرية

اتخذت الرواية من الريف التايواني كخلفية درامية، وراحت تستكشف عدم القدرة على التنبؤ بطبيعة النفس البشرية والصراع بين الإنسان والوحش. كما تتميز الرواية بتفرد خاص وأسلوب تقني في السرد عميق ورائع. وقد وصف الكاتب التايواني الشهير باي شيان يونغ الرواية قائلا “هذه الرواية معقدة للغاية وتسرد عدم القدرة على التنبؤ بطبيعة النفس البشرية والصراع بين البشر والوحوش، فجاءت الكتابة السردية في منتهى الجرأة”.

تناولت الرواية المجتمع الريفي في تايوان حيث المجتمع المنغلق المتحفظ، وكشفت عن الجانب الصيني المظلم. وبحثت في الخط الفاصل بين البشر والوحوش وكسرت الكثير من المحرمات في الرواية الصينية، واستكشفت بعمق أكبر جزء في الطبيعة البشرية، وغيرت قوالب الكتابة الإبداعية داخل الصين في الثمانينات.ثم أعقبتها رواية “ليلة مظلمة” وأحدثت ضجة أخرى، فقد كشفت عن الجانب المظلم في المجتمع الصيني، وأظهرت أسلوب الأدب التايواني الحديث وكشفت عن تعاطف الكاتبة مع الضحايا الأبرياء وعقليتها الاكتئابية، واستخدمت قلما حادا في الكتابة فوصفها وانغ ديواي بأنها أشبه بساحرة تتلاعب بالحبر وتستدعي القراء إلى عالم من التحولات والانعطافات يسوده الحزن والشر، فتقيأت ببذاءات القراء بدلا عنهم وجلست على مخاوفهم وأوهامهم التي يخجلون منها.

وختمت ميرا أحمد أن لي آنغ تمتلك شعورا قويا بمشكلات المجتمع التايواني خاصة وقت تحديث المجتمع التايواني، وظهر هذا في أعمالها منذ البداية التي تناولت عبثية الوجود الذاتي والأفكار والمعتقدات اللاعقلانية والسخيفة. فما تتناوله في روايتها هي قضايا العصر! التي يحاول الكثير غض الطرف عنها بحجة أنها من المحرمات ولا يمكن التطرق إليها حفاظا على ماء وجه المجتمع والتستر على عيوبه.

15