"زوربا".. عاشق للحياة شيّبته التجارب ولا يكف عن المغامرة

في مشاهد قصيرة، يقدم الفيلم الذي يبلغ طوله 142 دقيقة أبطاله وأولهم زوربا الحكيم الذي يجيد قراءة الوجوه فهو جسور لا يهاب الموت ولكنه غير متهور ويلوذ بالصمت أحيانا.
السبت 2019/07/13
عمل مازال حاضرا في ذاكرة العالم

على إيقاع موسيقى زوربا يبدأ فيلم “زوربا اليوناني”، وبها أيضا ينتهي مضافا إليها، في المشهد الأخير، رقصة حرّرتها موسيقى ميكيس ثيودوراكيس من حدود شخصية كتبها نيكوس كازانتزاكيس، ورسم ملامحها السينمائية المخرج مايكل كاكويانيس، وجسدها أنطوني كوين. ثم تخلصت المقطوعة من هذا كله، واستقلت عابرة الأجيال والثقافات، واستقرت واحدة من الكلاسيكيات، ولعلها الآن أشهر موسيقى تقترن برقصة تدعو إلى عشق الحياة.

زوربا هو هدية القدَر إلى كازانتزاكيس الذي ظل مدينا له ويعتبره دليله الروحي. ومنذ مصادفة اللقاء به، أيقن الكاتب أنه عثر على كنز، وبدا أن كليهما كان ينتظر الآخر. وتمكن كازانتزاكيس (1883-1957) من الوصول إلى روح زوربا وانتزعه من الحياة البوهيمية، وزرعه في أرض الأدب برواية اختار لها عنوان “زوربا اليوناني” عام 1946.

وفي عام 1964 اصطحب مايكل كاكويانيس شخصية زوربا من الأدب، وأطلقها في فضاء السينما الأكثر رحابة. ولم يكن الموسيقي اليوناني ثيودوراكيس أقل حظا من كازانتزاكيس وكاكويانيس، فأصابه ذلك السحر، وألهمه زوربا موسيقى ترتبط الآن بالشخصية الدرامية لا بمؤلفها. وهكذا يكون زوربا الأميّ، بوعيه الفطري ورغبته الدائمة في المغامرة، قد طغى على الثلاثة الكبار (المؤلف والمخرج والموسيقي)، وحقق شهرة عالمية تتسع دوائرها بازدياد عشاق الموسيقى والباليه وغيرهم ممن يرغبون في أن يكونوا فوق الحياة قليلا.

في الميناء يلتقي رجلان لا يمكن، بحكم المنطق وطبائع العلاقات بين الناس، أن تنشأ بينهما صداقة؛ فلكليهما عالم نقيض الآخر. كاتب إنكليزي أنيق، يحتمي من المطر بشمسية وبها يحمي صندوق الكتب من البلل. وعامل أميّ غير مثقل بشيء، وكل متاعه أغراض قليلة في بُقجة يربطها بحبل في غير إتقان، وتشبه مخلاة الجنود وتتدلى من كتفه وراء ظهره. ويحمل في الكتف الأخرى حقيبة صغيرة تتسع لآلة موسيقية يسميها “سانتوري” تصاحبه أينما يذهب.

زوربا وريث الصعاليك

في تعبير بصري بليغ، يلخص المشهد الأول في الفيلم عالميْ الرجلين. شاب يجلس مطمئنا في الاستراحة، بثياب كاملة مهندمة تحت المعطف، هو الكاتب باسيل (الممثل البريطاني آلان باتِس)، ملامحه واضحة، صارمة أيضا بوجه مضيء، وشعر معتنى به تحت قبعته، ويفتح كتابا من منتصفه فيبدو أنه يواصل القراءة، انتظارا لإبحار السفينة بعد هدوء العاصفة. والعامل زوربا (أنطوني كوين) في الخارج يستكشف الاستراحة، وينظر عبر زجاج نصف معتم، مغبّش من أثر الرذاذ ويخفي الكثير من ملامح وجه يشي بأنه لرجل خرج الآن من منجم. ثم يدخل الاستراحة بثيابه الرثة، ويتأمل الوجوه، وتستقر نظرته على الكاتب الذي يترك القراءة والكتاب لا يزال مفتوحا في يده، ويبادله نظرة ثم يواصل القراءة. يقترب منه زوربا، ويقتحمه بنظرة تتسم بالحدة والثقة والذكاء، كأنه لا يرى غيره. وينشغل الكاتب بالقراءة، وهذا لا يروق زوربا فينزع بيمينه البيريه المثقوب ويضرب به كفه اليسرى، فينفض المطر، ويحدث صوتا يجبر الكاتب على الانتباه. ويسأله زوربا مباشرة “أنت على سفر”. ولأن الكاتب مثل كل المنتظرين على سفر، فليس للسؤال معنى، ولكنه محاولة آمنة لفتح حوار يخلو من الالتباسات. وينظر إليه الكاتب، ويسأله زوربا عن وجهته، فيجيب: كريت. ويرجوه زوربا أن يصطحبه معه، ولو طباخا له.

زوربا بوعيه الفطري ورغبته في المغامرة، طغى على المؤلف والمخرج والموسيقي، وحقق شهرة تتسع دوائرها بازدياد عشاق الموسيقى والباليه
زوربا بوعيه الفطري ورغبته في المغامرة، طغى على المؤلف والمخرج والموسيقي، وحقق شهرة تتسع دوائرها بازدياد عشاق الموسيقى والباليه

يبدو زوربا وريث الصعاليك من سلالة النبلاء، ففي سلوكه كبرياء وترفّع. يمد يده إلى علبة سجائر على المائدة، ويعرف نوعها “فرجينيا”، ويضعها. فيفتحها الكاتب ويقدمها إليه، ويلتقط الرجل سيجارة، ويلحّ عليه الكاتب أن يحتفظ بالعلبة كلها، ويرد بتعفف أنه يريد واحدة فقط. وبأنفة ينتظر أن يشعل له الكاتب السيجارة، ثم ينفث الدخان باستمتاع. وليس لزوربا مهنة محددة، له يدان وقدمان ورأس يستطيع به القيام بمهام كثيرة. إنه طباخ لو احتاج الكاتب إلى طباخ، أما آخر مهنة فهي عامل في منجم، فهو يمتلك أنفا حساسا للمعادن، ولكنه ضرب رئيسه فطردوه. ويسأله زوربا عن عمله، فيجيب باسيل أنه يكتب الشعر والمقالات، ولا يعرف زوربا ما معنى هذا، ويحذّره زوربا “أنت تفكر كثيرا وهذه هي مشكلتك”.

ويعرف أنه نصف إنكليزي، وُلد في بريطانيا لأب يوناني، وأنه لم يكتب منذ أشهر، وقد ورث في كريت أرضا فيها منجم للفحم، مغلق منذ سنوات، ويريد إعادة تشغيله. يتفقان على التعاون. وقبل الذهاب، يشترط زوربا أن يكون في العمل مجرد عامل لدى باسيل الذي يدعوه منذ الآن “الرئيس”، وأما في أي شيء آخر، كاللعب أو الغناء، “فأنا أملك نفسي”، ويؤكد أنه لا يتنازل عن شرط الحرية ويوافق “الرئيس” على الصفقة.

اكتشاف الذات والعالم

في القرية يبدأ الرئيس رحلة اكتشاف الذات والعالم، ويتعلم من خبرة زوربا في الحياة ما لا تمنحه له قراءة الكتب. ويكتسب خبرات في التعامل مع ما يطرأ من مشكلات في مجتمع مغلق يضم العجائز والعمال والأعيان والرهبان وأرملة فاتنة ترفض الزواج، ولا تسمح لأحد بالاقتراب من بيتها أو مساعدتها باستثناء شاب لديه بعض الإعاقة العقلية، اسمه ميميكو (الممثل اليوناني سوتيريس موستاكاس). ليس في القرية غريب إلا الرئيس والسيدة هورتينس، وهي فرنسية يناديها زوربا باسم الدلال “بوبولينا”، وتمتلك فندقا صغيرا، وتعيش وحيدة على ذكرياتها، وقد جاءت إلى كريت مع الأسطول البريطاني رفيقة للأدميرال، ثم أقامت علاقات مع ثلاثة أدميرالات من فرنسا وإيطاليا وروسيا. وامتدت علاقاتها كخليلة لأثرياء في بيروت والإسكندرية وإسطنبول.

في مشاهد قصيرة، يقدم الفيلم الذي يبلغ طوله 142 دقيقة أبطاله، وأولهم زوربا الحكيم الذي يجيد قراءة الوجوه، فهو جسور لا يهاب الموت، ولكنه غير متهور، ويلوذ بالصمت أحيانا إذا لزم الصمت. ففي أحد انهيارات الدعامات الخشبية بالمنجم يفرّ العمال، تاركين آلاتهم في بطن الجبل، ولا يبقى غيره فيظنونه مات. ثم يرونه خارجا يكسوه الغبار، ويعطيهم ظهره ويواجه الجبل متحديا “أيها الجبل اللعين، سآكل أحشاءك”. ويشفق الرئيس عليه وعلى العمال، ويرى أن يرتاحوا يوما، وهنا يبدو وجه آخر لزوربا الساخر من رأسمالية هجينة يتمتع بها الرئيس “هل أنت رأسمالي غير خالص؟”.

في أقل من عشرين ثانية يقدم الفيلم بطلته ويدو (الممثلة اليونانية إيرين باباس)، وهي أرملة جميلة تحتمي دائما بالغضب وبثوب واحد أسود. مشهد صامت مثل أغلب مشاهدها، فلا تنطق طوال الفيلم إلا بضع كلمات، ولا يسمع لها صوت إلا في مشهديْ الغناء والحب. وكان الرئيس وزوربا على رأس موكب يضم عجائز وأطفالا من القرية، يزفّونهما إلى فندق “بوبولينا”. وفي الأعلى تطوي “ويدو” ملاءات منشورة تداعبها الريح. ومن بعيد ربما لمحها الرئيس، والأرجح أنها رأته بعينها اليمنى، وكانت اليسرى محجوبة بالملاءة البيضاء.

في الميناء يلتقي رجلان لا يمكن، بحكم المنطق وطبائع العلاقات بين الناس، أن تنشأ بينهما صداقة؛ فلكليهما عالم نقيض الآخر. كاتب إنكليزي أنيق، وعامل أميّ غير مثقل بشيء،

اللقاء الثاني بين الرئيس والأرملة يمهد لتراجيديا النهاية. كان المطر يهطل، ويلجأ زوربا والرئيس إلى المقهى الذي يتصدره مفاردوني (الممثل اليوناني جورج فونداس) وابنه بافلو (الممثل اليوناني يورجو فوياجيس)، وسط جمع من العمال، وقفزت عنزة ويدو سور البيت، واقتربت من المقهى فأدخلوها؛ ليستدرجوا الأرملة التي بحثت عن العنزة واهتدت إلى مكانها. ولا يرد عليها أحد على سؤالها: أين العنزة؟ وكان بعضهم يخبئها على سبيل الممازحة، ويردون على سؤال المرأة بالسخرية في قهقهة ضايقت الشاب بافلو، فغضب وحاول المساعدة ولم يستطع، فتشعر الأرملة بالوحدة والقهر، وتبكي في صمت، فيخلص زوربا منهم العنزة، ويحملها إلى الباب في صحبة الرئيس، وتستدير الأرملة نحو الجمع وتبصق، وتتسلم العنزة، وفي صمت يبادر الرئيس بإعطائها الشمسية لكي تقيها من المطر فتتردد، ثم تأخذها في صمت وامتنان، وفي عينيها فرحة واطمئنان وطيف ابتسامة. ويكتفي زوربا بصفير يتشفى به منهم، ويواصل الصفير الذي يقطع الصمت المتصل، والعيون تنقم على الرئيس قبول الأرملة شمسيته. وينفجر بافلو من الإشفاق عليها والغضب منهم هاربا من المقهى، ويعودون إلى الصمت مخذولين؛ لانتصار الأرملة عليهم، وعودتها إلى البيت بكبريائها.

عش في خطر

وفي الصمت كان زوربا يرسم على ورقة بيضاء، ويهمس فلا يسمعه إلا الرئيس، ويدعوه إلى النظر إلى وجوههم، ويخبره بأن بافلو غاضب لهيامه الشديد بالأرملة، وأنها بصقت في وجهه فازداد تعلقه بها، وجميعهم يشتهونها، ويكرهونها لأنهم يعجزون عن نيلها. ويسرّ إليه بأن هنا رجلا واحدا فقط يستطيع الوصول إليها، “أنت”. ويبتسم زوربا في لؤم الفرِح، أو فرح اللئيم الذي شبع من الدنيا، ويؤكد أنه قرأ نظرتها وهي تتناول الشمسية. ويبتسم الرئيس مهوّنا من المبالغة، فيوضح له الحكيم أن بين يديه هدية من الجنة، ومن السذاجة ألا يضيعها، وأن الله أعطانا الأيدي لنتشبث بالعطايا.

ويمران ببيتها، وقبل الاقتراب ينصحه زوربا بطرق الباب، بحجة استعادة الشمسية، والرئيس يرفض. ويعجب زوربا لهذا التردد، ويتوقع أنها تنتظر الزيارة. وكانت تطل من وراء الستارة من حيث لا يريانها، وتكاد تسمع زوربا يقول بلسان نيتشه “إذا أردت أن تحصل على أجمل ما في الحياة فعِشْ في خطر”، وزوربا لم يقل هذا المعنى بهذه الفصاحة، وإنما بخبرة السنين “يا رئيس، الحياة مشكلة، الموت هو الوحيد الذي ليس مشكلة. ولكي تكون على قيد الحياة يجب أن تفك حزامك وتبحث عن المشكلة”.

زوربا ابن عفوية الحياة
زوربا ابن عفوية الحياة

وكان الرئيس خجولا غير خبير بالنساء، ولا يزال أقل من التعلم من فلسفة زوربا الذي أصابته خيبة أمل. وكانت الأرملة تراقب وتترقب، وفي مسافة ضيقة بين الستارة وإفريز النافذة بدت عينها اليسرى سهما ينكسر، في لقطة خاطفة طولها أقل من ثانيتين، ولكنها جسدت في إيجاز معاني الحسرة والخذلان. وفي وقت لاحق سيذكر زوربا للرئيس قول تركي حكيم له “لله قلب رحيم، ولكنّ هناك ذنبا واحدا لا يغفره لأحد. إذا دعت امرأة رجلا إلى الفراش ولم يستجب”.

لا يخطط زوربا لأي شيء، هو ابن عفوية الحياة، يجرّب فيخطئ ويصيب، ويقع فينهض. يرى أمامه مثقفا تعوزه التجربة، فيدعوه إلى الرقص معه، ويضرب زوربا بيده ضربات ليعثر على النغمة، ويرفع ذراعه ليجسد النغمة بأصابعه، ويطير في الهواء ويدور حول نفسه، والرئيس يحمل المصباح ويتعجب. ويستدعي زوربا النغمة من خياله ويقفز فوق المائدة فتوقظ الفرحة عاملين في المنجم، فيأتون ويعزف اثنان منهم ويطرب زوربا ويرقصون. ثم يحكي للرئيس أنه لما مات ابنه الوحيد “ديمتري”، في سن الثالثة، لم يفعل شيئا إلا أن رقص، وظنوا به الجنون، ولكن الرقص أوقف الألم.

ويحكي عن مشاركته في الحرب، “حاربت لكي ألتهم العالم. هل تحارب معي أم تترك الجبل ينتصر علينا؟”، وخطط لتدبير الأخشاب من غابة في أعلى الجبل. وبالمنطق يستبعد الرئيس هذا الأمر؛ فالأشجار تخص الدير. هنا يقدم زوربا فلسفته وهي أن الدير يعود إلى الله، والله يعود إلى كل شخص، وهكذا تكون الأخشاب من حقهم، وبها يصنعون الدعامات والسفن ويطوفون العالم. ويحتال على الرهبان بالاقتراب من أحدهم من حيث لا يراه، فيظن شيطانا في الغابة، ويستدعي زملاءه الرهبان. وكان زوربا قد اعتلى شجرة، ووضع صليبا في إناء مملوء بالخمر، فيقتربون من الإناء، ويظنون الصليب والإناء معجزة. ثم يصادقهم ويقنعهم ويبدأ مشروع الحصول على أخشاب الدير.

يسافر زوربا إلى المدينة لشراء ما ينفذ به خطته لتشغل المنجم، ويستعيد شبابه مع امرأة يلتقطها من الملهى، ويملي بذلك خطابا ويرسله إلى الرئيس الذي تسأله بوبولينا عما قاله عنها زوربا في الخطاب، ويواسيها فيتورط في الكذب بأن زوربا ينوي الزواج منها.

وكانت ويدو في حديقة بيتها تغني، ويلقي إليها بافلو رسالة، فتطويها دون قراءة وترميها تحت قدميْ أبيه. هل كان يتبع ابنه، أم يسعى للوصول إليها؟ ينتهي المشهد بصفع مفاردوني لابنه. وفي الوقت نفسه كان الرئيس يتشجع على الذهاب إليها بالتدرّب على رقصة زوربا ويفشل، فيلجأ إلى السانتوري، ويستخرج النغمة، ويضرب الأرض بقدميه، ويحتضن الحياة بذراعيه، ويحاول أن يتلبس روح زوربا. ثم تفتح له الباب في لقاء هو الأول والأخير. تجهش بالبكاء وتتعرى من هشاشة لا يراها الذين يريدون نهش لحمها. تبكي في مشهد يطغى فيه البياض: وجهها الصافي، لون قميصها، جسدها، شراشف السرير، الستارة، جدران الغرفة. ويصل الخبر إلى بافلو، فيكتشفون مع الشروق انتحاره غرقا، وتذهب الأرملة إلى الكنيسة للعزاء، فيمنعها مفاردوني ويحاصرونها، ويخترق صراخها الكنيسة فيترك الرئيس الصلاة، ويأمر ميميكو بإبلاغ زوربا.

كازانتزاكيس سجل في سيرته "تقرير إلى جريكو" أن زوربا غول، علمه كيف يحب الحياة، وألا يخاف الموت، "يا لهذا الراقص المحارب ذي النفس العظيمة والجسد المتمكن والنداء المنطلق الذي لم أرَ ولم أعرف له شبيها في حياتي كلها"

يتواطأون على الأرملة، يقتلونها انتقاما لإذلالهم؛ إذ رفضتهم واصطفتْ أجنبيا. وقبل القتل يشرع أحدهم في إذلال جسد شهي استعصى عليهم، فيشق الثياب عن صدرها، ويرسم الصليب، فتبكي وهي وحيدة مخذولة في مواجهة من يرجمونها بالحجارة ويرسمون الصليب. وينقذها زوربا ويأمرها أن تتبعه، فيذبحها مفاردوني غدرا.

وفي الليل يبكي زوربا ويحار أمام عبث الموت: لماذا يموت الصغار؟ لماذا يموت الجميع؟ فيجيبه الكاتب: لا أعرف. فيسأله عن فائدة كتبه اللعينة؟ لماذا لا تخبره بالسبب؟ فيجيب بأن الكتب تخبره “بمعاناة الرجال الذين لا يستطيعون الإجابة عن أسئلة مثل أسئلتك”.

ولا يكف زوربا عن الحياة، ويستجيب إلى كذبة ورّطه فيها الرئيس، بالزواج من بوبولينا التي تتعجل ولا تبالي بعدم وجود كاهن، فالله يراهم، والرئيس شاهد، فيقترح زوربا الخروج “حتى يمكن لله أن يرانا بشكل أفضل”. وفي تعانق الظلال والنور، يقف الرجلان وظهريهما للخلاء والبحر، يستقبلان الفندق الذي يأتي منه ضوء يصنع سجادة من النور على الرمال، وزوربا يرتّل، وبوبولينا قادمة فيشير لها بالاصطفاف للصلاة، ثم يرسم علامة الصليب لنفسه ولها. ولا تلبث أن تموت، وليس لها وريث، فيقتحم أهل القرية الفندق وينهبون محتوياته، وتتعرى الجدران إلا من الضوء، ويتركونها وحيدة ممددة في سرير، وجسدها لا يزال محتفظا بحرارة الحياة.

وينتهي الفيلم بقول زوربا إن الإنسان يحتاج إلى شيء من الجنون؛ إلى فكّ القيد ليصبح حرا، ويطلب منه الرئيس أن يعلمه الرقص. فاز الفيلم بثلاث جوائز أوسكار: أفضل إخراج فني، وأفضل تصوير لوالتر لاسالي، وأفضل ممثلة مساعدة لليلى كيدروفا، من سبعة ترشيحات لفيلم أنتج بعد سبع سنوات على موت كازانتزاكيس الذي سجل في سيرته “تقرير إلى جريكو” أن زوربا غول، علمه كيف يحب الحياة، وألا يخاف الموت، “يا لهذا الراقص المحارب ذي النفس العظيمة والجسد المتمكن والنداء المنطلق الذي لم أرَ، ولم أعرف، له شبيها في حياتي كلها”، وأن الذين تركوا في نفسه أثرا عميقا هم هوميروس وبوذا ونيتشه وبيرجسون وزوربا، ولو سئل عن اختيار “دليل روحي… فلا شك أنني كنت سأختار زوربا”.

16