زوزو ونساء القياصرة

الجمعة 2013/10/11

"من رأى منكم، زوزو

في طريق الأمريكان؟

يغسل النسوة بالشامبو

ويهديهن للمبغى.. مطايا من زجاج".

هذا مقطع من قصيدة طويلة نشرت لي منذ ربع قرن، وهي كمخطوط تعود إلى زمن أبعد بكثير.

ولكن من هو زوزو؟

ما إن انتهت الملابسات التي رافقت قضية الياهو كوهين، في منتصف ستينيات القرن الماضي، وما رافقها في الشارع السوري من أحاديث مقاه ودردشات سمر، حول علاقة كوهين بكبار الضباط وعلية القوم، آنئذ. وما كادت الأحاديث تخبو والقضية تبهت، حتى ظهر في شوارع دمشق، شخص سماه أهل الشام بـ"زوزو"، وزوزو سمة يطلقها الشوام- في تلك الأيام-على ما يسمونه اليوم (طنط) أيgay، وكان في شوارع دمشق يومها، إثنان من هذه الشخصيات الحائزة على لقب زوزو، إحداها حقيقية، والأخرى، تلبس شخصية الـ"زوزو" لغايات أبعد من الشذوذ.

وزوزو هذا ظهر في شوارع دمشق، شابا رياضيا ممشوق القوام، مفتول العضلات، يرتدي من الملابس، ما يبديها للعيان من بنطال ضيق وقميص دون أكمام/شيّال/ ملوّن، مرة أزرق ومرة برتقالي…، وكان مكان تجوله بين ثانوية ابن خلدون، وزقاق الصخر أو الـfour season في أيامنا هذه، امتدادا إلى جنينة الأميركان والتي تسمى الآن حديقة الجاحظ، وهذه المساحة، وبما فيها قصر الضيافة "قصر جمهوري" كان الشوام يطلقون عليها.

حي الجواسيس

كان زوزو، واسمه الآخر دكتور شول، قد أسس عيادة مقابل قصر الضيافة ومواجهة ما يسمى الآن "الجبهة الوطنية التقدمية" وأيضا مجلة الفرسان لصاحبها رفعت الأسد. وعيادة الدكتور شول أو شاؤول أو زوزو، لم تكن مثل العيادات الطبية الأخرى، بل كانت أشبه ما يسمى اليوم، بمراكز العلاج الفيزيائي، وكانت مخصصة للنساء فقط، ولنساء كبار الضباط ومن في مكانتهم من تجار وسماسرة ووزراء تحديدا.

ولعمله الظاهري جند زوزو مجموعة من الفتيات ذوات الجمال الساحر، من روسيات وسوريات، كانت مهمتهن القيام على راحة نساء أولئك المسؤولين ومن في حكمهم، بالإضافة إلى استنباع المعلومات عن عمل أزواجهن وخططهم ومشاريعهم، لاسيما العسكرية منها، في المقام الأول وبالتالي الاقتصادية والسياسية.

إلا أن المتعة لا تقتصر على تدليك الجسد وراحته فقط، إذ للجسد في هذا المقام نوازع أخرى، فما كان من زوزو، إلا أن يستدرك ذلك ويلبي لهن رغائبهن… باختياره وتجنيده مجموعة من الشباب ممن يرى فيهم القدرة على تلبية تلك الرغائب، فكان يأتي إلى حديقة "الجندي المجهول" مقابل ثانوية ابن خلدون، ليصطاد من أولئك الشبان من يؤمن حاجات مهمته -التجسسية-، فتراه يزرع الطريق الممتدة من حي الجواسيس إلى الثانوية، متمايسا متغنجا منعما صوته بطبقة خنثوية، تستجلب الصالحين لمراده من الشبان، والذين سيكونون وقودا لنساء عيادته.

استمرت حكاية زوزو أو الدكتور شول منذ ما قبل تسلم حافظ الأسد مزرعته (سوريا)، إلى ما بعد موته -موت حافظ- مباشرة، إذ اختفى زوزو في ظروف غامضة، وراح العامة يروون عنه حكايات متعددة، منها أن سيارة دهسته، ومنها أنه أعدم بتهمة التجسس، ومنها أنه غادر البلاد إلى جهة مجهولة، وأيا كانت الرواية الصحيحة منها، فإن زوزو اختفى، لعدم الحاجة إلى خدماته بعد ظهور بشار الأسد. فأغلقت عيادته وتشتت من كان فيها من شابات وشباب وتركوا مقاعد دراستهم.. إلا أنهم كسبوا المال و….

تطول حكاية زوزو/ الجاسوس وتتشعب قصصه مع نساء القياصرة وفي كل تاريخ أو حكاية، هنالك ما يسكت عنه إلى الفصل الأخير.

__________________

* ناقد وأكاديمي سوري مقيم في السعودية

14