زومبي تونسي

للتونسي فلسفة خاصة في الكسل لا تجعله بحاجة إلى جورج روميرو جديد يمنحه "ليلة الحي الميت"، لأنه بكل بساطة فاق خيال المخرج الأميركي بجمعه بين نَفس الحياة وانطفاءة الموت.
الثلاثاء 2018/12/18
شعب يعيب العراء وهو متشبع إلى حد النخاع بثقافة "توري نوري"

استوقفني خبر تداولته العديد من المواقع الإلكترونية مفاده أن وزير الصحة التونسي عبدالرؤوف الشريف أكد في تصريح لإذاعة خاصة أن مخدر الزومبي “موجود ولكن ليس بالكيفية المقلقة ولا داعي إلى حالة الفزع منه”.

وهنا لا بد من إيجاد مخرج ومبرر للفزع من تحول الشعب إلى مجموعة من الموتى الأحياء أو من انتشار المخدر بين أفراده!

لا أظن أننا بحاجة إلى مخدر حتى نحظى بفرصة تجسيد شخصية شعبية متغلغلة في الفولكلور الأوروبي، أو إلى اقتباسها من الكم الهائل الذي لعب فيه الزومبي أدوار بطولة بطعم الرعب، أو إلى جرعة سحرية ليرانا العالم مجرد أجساد هزيلة منومة ومجردة من الوعي الذاتي.

للتونسي فلسفة خاصة في الكسل لا تجعله بحاجة إلى جورج روميرو جديد يمنحه “ليلة الحي الميت”، لأنه بكل بساطة فاق خيال المخرج الأميركي بجمعه بين نَفس الحياة وانطفاءة الموت.

وعلى ما يبدو فإن صانعي هذا المخدر لم يخرجوا عن طقوس السينمائيين، فما الفرق بين توجه سينمائي مخصوص يربط شخصية الزومبي بالرعب تحت عنوان الخيال والترفيه، وبين انتشاء مؤقت بمخدر يصاب مستهلكه بحالة هستيرية تفقده السيطرة على نفسه وبالتالي يحدث فوضى عارمة.

هذا التحول المبارك في حالة المستهلك تستثمره كاميرات المواطنين للتندر و”التنبير” التي تطل من منابر المنصات الاجتماعية، وفي هذا الباب بالذات يدير التونسي أحوال البلاد والعباد مستنكرا تعري فنان، ومتسائلا عن سر ثراء آخر، مستهترا بمصالحه، غير واع بأنه إمبراطور في حضرة هانس كريستيان أندرسون، لكن إرث هذا الكاتب الدنماركي تدثر به أغلب التونسيين دون حاجة إلى الزومبي.

شعب يعيب العراء وهو متشبع إلى حد النخاع بثقافة “توري نوري”، يتخبط بين مستقبل اقتصادي اجتماعي سياسي ضبابي وواقع تغلب عليه القتامة، الفرق بين إمبراطور أندرسون وبين هذا الشعب أن هانس وضع ملكا بين أيدي خياطين محتالين أقنعاه بضرورة أن يصنعا له بدلة خفية لا يراها الذي لا يصلح لمنصبه أو الأحمق وعديم الكفاءة. وعندما خرج الملك أمام رعيته بملابسه الجديدة، لم يجرؤ أحد على قول إنه لا يرى أي ملابس على الملك، باستثناء طفل يصرخ “لكنه لا يرتدي أي ملابس على الإطلاق!”.

هانس استثنى الطفل من بين الجموع الخائفة على رقابها، وهنا تكمن المفارقة الحقيقية بين أجساد منتهية الصلوحية وبين جسد طري حديث العهد بريح الحياة.

“موجود ولكن لا داعي إلى الفزع منه”، فعلا لا داعي إلى الفزع ما دام الشعب مبرمجا على أن يكون في حالة فوضى لا تنتهي!

24