زيادة الاشتراك الرقمي بمواقع الصحف تبث الحياة في صناعة الأخبار

يؤكد خبراء إعلام أن الجمهور سيعتاد على الدفع مقابل الصحافة الجيدة، وهو مفهوم بدأ ينتشر بالتزامن مع تكريسه في المنصات الرقمية المدفوعة، التي ساعدت الناس في التعود على الدفع في مقابل مضامين كانوا يحصلون عليها مجانا.
السبت 2018/03/10
مستقبل الصحف بيد القراء

واشنطن - تسجل الاشتراكات بالنسخ الرقمية لوسائل إعلام كثيرة في الولايات المتحدة نموا كبيرا، في ظل الصعوبة المتنامية في الاطلاع على الأخبار مجانا عبر الإنترنت نتيجة القيود المتزايدة على المضامين في الولايات المتحدة،

وتشير ريبيكا ليب الأخصائية في وسائل الإعلام الرقمية في شركة “كاليدو إنسايتس” إلى وجود “منحى يرتسم بوضوح لاتجاه أناس إلى الدفع للحصول على مصدر واحد على الأقل من المعلومات”.

وتضيف إن المستهلكين أدركوا قيمة الصحافة الاستقصائية تحديدا ما جعلهم أكثر استعدادا للدفع بهدف الإفادة منها.

ويفترض خبراء الاتصال أن غزو الأساليب الرقمية لكامل مناحي الحياة اليومية، ساعد في تكريس هذا المفهوم، مع انتشار الخدمات المدفوعة للألبومات الموسيقية وأشرطة الفيديو والمسلسلات والأفلام في قنوات الإنترنت المتخصصة.

ويقول داميان رادكليف، أستاذ الصحافة في جامعة أوريغون والعضو في مركز الصحافة الرقمية بجامعة كولومبيا في نيويورك إن “خدمات مثل نتفليكس وسبوتيفاي ساعدت الناس في التعود على الدفع في مقابل مضامين رقمية كانوا يحصلون عليها مجانا”.

ويضيف “يدرك الناس أن عليهم الدفع إذا ما كانوا يقدّرون الصحافة خصوصا في الجو السياسي الحالي”.

وفي العام الماضي، كشفت دراسة لمعهد “ميديا انسايت بروجكت” للبحوث أن 53 بالمئة من الأميركيين دفعوا أموالا في مقابل الحصول على اشتراك واحد على الأقل في وسيلة إعلامية. وبحسب تحقيق لجامعة أكسفورد البريطانية، ثلثا الصحف الأوروبية يعتمدان نموذجا قائما على الدفع.

وتواجه الصحف الساعية إلى الانتقال من النسخ الورقية إلى نظيرتها الرقمية صعوبات في تعويض خسارة العائدات الإعلانية التي تمثل منذ زمن طويل خشبة الخلاص لمنشورات كثيرة. وهي غير قادرة على منافسة مجموعات عملاقة مثل غوغل وفيسبوك في الإعلانات الإلكترونية.

ويلفت المستشار المتخصص في القطاع الإعلامي كن دكتور إلى أن “المردود المتأتي من القراء يجب أن يكون المصدر الأول للمجموعات الإعلامية الكبرى سواء كانت مناطقية أو وطنية إذا ما أرادت الاستعانة بفريق كبير من الصحافيين”.

وسائل الإعلام لا تجني سوى حوالي 5 بالمئة من إيراداتها الرقمية من هذه الشركات العملاقة في مجال الإنترنت

ولدى صحيفة نيويورك تايمز أكثر من 2.6 مليون مشترك في نسختها الإلكترونية المدفوعة وقد شكلت الاشتراكات الرقمية 60 بالمئة من إيراداتها في 2017. وهو الأمر ذاته بالنسبة إلى صحيفة واشنطن بوست التي أعلنت العام الماضي تخطيها عتبة المليون مشترك بنسختها الإلكترونية. وكما هو متوقع، عززت هاتان الصحيفتان الأميركيتان الكبيرتان إيراداتهما من خلال الحد من عدد المقالات المتاحة للقراءة مجانا عبر الموقع الإلكتروني.

واتخذت مبادرات مشابهة من جانب صحف أخرى بينها بوسطن غلوب ولوس أنجلس تايمز. وأدخلت مجلتا “نيويوركر” و”وايرد” اشتراكات مدفوعة للحد من مضامينهما المجانية.

لكن رادكليف يقول إن “وسائل إعلامية محلية أصغر قد تجد المزيد من الصعوبة في إقناع قرائها بهذا الموقف ولديها القليل من الزبائن”.

ومن التغييرات المهمة الأخرى موافقة مجموعتي فيسبوك وغوغل العملاقتين أخيرا على تبسيط الولوج إلى المضامين المدفوعة للوسائل الإعلامية.

وتشير ليب إلى أن “هذا الأمر يعني أن (المنصات الإلكترونية) تحاول العمل لمصلحة المنشورات بطريقة غير مباشرة وليس ضدها”. وأضافت “هذا مهم لأن محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي تمثل الطريقة التي يكتشف الناس من خلالها المعلومات في العصر الرقمي”.

وبينت دراسة لمنظمة “ديجيتل كونتنت نكست” أن وسائل الإعلام لا تجني سوى حوالي 5 بالمئة من إيراداتها الرقمية من هذه الشركات العملاقة في مجال الإنترنت فيما تستحوذ هذه الأخيرة على 30 بالمئة من المضامين التي يتم الاطلاع عليها.

وتلفت ليب إلى أن “المضامين المدفوعة لا تنتشر على نطاق واسع”، مقرة في الوقت عينه بأن المحتويات الحصرية قادرة على إثارة نقاش علني واسع. وفي المقابل يعتبر المحللون أن النفاذ المدفوع إلى مضامين الصحف من شأنه أن يوسّع “الهوة الرقمية”؛ إذ مع ازدياد المضامين المدفوعة “ قد لا يتمكن بعض الأشخاص من الاطلاع على محتوى مهم”.

ويشير رادكليف إلى مسألة أشبه ما تكون بالمسألة الأخلاقية، قائلا “ثمة خطر ألا يتمكن هؤلاء الأشخاص من النفاذ إلى سيل من المضامين الصحافية التي يحتاجون إليها للبقاء على اطلاع في العصر الحالي”.

وكانت شركة غوغل قد أجرت اختبارات مع صحيفتي نيويورك تايمز وفايننشال تايمز، لتشجيع وتبسيط الاشتراكات، بسبب المشاكل التي يواجهها الناشرون في تحويل باحثي غوغل إلى زبائن دفعوا معاليم الاشتراك، بينما يفكر القراء طوال الوقت في الأسباب التي قد تجعلهم يدفعون أموالا بينما يجدون ما يودون قراءته مجانا عبر غوغل. وقال موقع Engadget الأميركي إن شركة غوغل تساعد الناشرين على معرفة من يمكنه الاشتراك، وتحديد مقدار استعداد الأشخاص للدفع وتسريع عملية الاشتراك، وأكدت الشركة أنها ستعتمد على خدمات استهداف الإعلانات والدفع بواسطة الهاتف.

ونتيجة لذلك أعلنت غوغل في أكتوبر الماضي أن المواقع الإخبارية لن تضطر إلى تزويد المستخدمين بثلاثة مقالات مجانية يومياً، بموجب سياسة “النقرة الأولى مجاناً” المعتمدة من قِبل الشركة. ورحبت المؤسسات الإعلامية الكبرى، مثل “نيوز كورب”، بالخطوة.

وأضافت غوغل “أن الدراسات تظهر اعتياد الناس على الدفع للحصول على المعلومات إلا أن القيام باشتراك قد يكون صعبا وهذا الأمر ليس إيجابيا للمستخدمين وناشري الصحف الذين تشكل الاشتراكات بالنسبة لهم مصدرا متزايدا للعائدات”.

ودونت الشركة على المدونة الرسمية لها “يأتي الناس إلى غوغل بحثا عن مضامين نوعية ويقوم عملنا على مساعدتهم على إيجادها إلا أن هذه المضامين لا تكون مجانا أحيانا”.

18