زياد الرحباني في حلبة المصارعة

الثلاثاء 2013/12/31

يخيّرونك دائما بين فريقين من قاطعي الرؤوس وواضعي السيارات المفخخة‫، ولا يحقّ لك أن تدين في وقت واحد جميع القتلة، إلى أي جهة انتموا. ينبغي أن تكون مع هذا القاتل أو ذاك؟ مع النظام الدموي أو مع التكفيريين؟ وإذا لم تكن مع نظام الاستبداد مهما استبدّ وفعل، فهذا يعني أنك تهدد الأمن القومي وتخدم مصالح إسرائيل، وفي هذه الحال يصبح حلالا اغتيالك.

يجد زياد الرحباني نفسه اليوم في حلبة سباق إعلامي ومزايدات واصطفافات سياسية، وهي ليست حلبة المسرح والموسيقى والغناء التي برع وحلّق فيها، بل حلبة أخرى تفوح منها رائحة الدم. يتكلم زياد الرحباني والذين حوله تكبر ابتساماتهم. يستنطقونه أمام ملايين المشاهدين ويهلّلون. ينتقد دولة تمنع أسطوانة تغني فيها والدته (ليس لأنها فيروز ولكن لأنها امرأة)، ويدافع عن حزب ينطلق من الأفكار الدينية ذاتها حيال المرأة.

دفاع زياد الرحباني قبَليّ، أعمى ومستميت، يناصر فيه الأخ أخاه، قاتلا أو مقتولا. يفاجئ هذا المنطق عندما يأتي من فنان، ومن فنان قدير مثله. لكن علينا أن لا نفاجأ. علينا أن لا نقول مع الكاتب النمساوي كارل كراوس إنّ “القصيدة تبقى جميلة حتى نتعرف إلى صاحبها”. هذا كلام ناقص وغير صحيح. على مرّ العصور، كان ثمة مبدعون يعيشون تناقضا بين مواقفهم ونتاجاتهم الإبداعية. غير أنّ هذه المواقف، ومهما بدت سلبية أحيانا، ينبغي أن لا تكون معيارا للحكم على نوعية تلك النتاجات، لأنّ الإبداعات الكبيرة تنهل من الذات الإنسانية أكثر مما تنهل من الذات الفردية.. لويس فردينان سيلين أسس لنمط جديد في الكتابة الفرنسية في القرن العشرين، ومع ذلك كان عنصريا حتى الموت. سان جون بيرس، الحائز على جائزة نوبل للآداب، كان وضيعا ومبتذلا في حياته الشخصية. وكم من كاتب ومثقف غربي وقف إلى جانب ستالين في الحرب العالمية الثانية! لويس أراغون نفسه، صاحب “عيون إلسا”، ألم يعظّم هو أيضا ذاك الطاغية؟ وفي عالمنا العربي، كم من كاتب يغطّي جرائم الطغاة، يدافع عن حقوق المرأة ويغتصب زوجته في المضاجع، وكم من كاتبة لا تكتب إلاّ عن حرية التعبير وتلغي من يتجرأ ولا يمدح كل سطر تكتبه؟

إنّ ردّ زياد الرحباني على فواز طرابلسي وحازم صاغية يكشف أنه، هو نفسه أيضا، لا يحتمل النقد، تماما كالنظام السياسي العربي الذي لا مكان فيه على الإطلاق للرأي الآخر. يتساءل زياد باستهجان كيف “علّم فواز في الجامعات”، أي، بكلام آخر، كيف تكون له مكانة معرفية وعلمية، ورأيه غير متطابق مع رأيه! يذهب زياد أبعد من ذلك حين يختزل فواز بهاتين الكلمتين: « هوّي ولا شي. هوّي عَ الطلب بيشتغل”… من خلال موقفه هذا، يجسّد زياد الرحباني إحدى صفات مجتمعاتنا وحياتنا الثقافية العربية وأحد مظاهر تخلفها. ننتقد داعش التي تذبح بالسكاكين هناك، ونذبح بالكلام هنا، بل وندافع عن “داعش” أخرى فنبرر، من حيث ندري أو لا ندري، ما يفعله المجرمون على اختلاف هوياتهم وتوجهاتهم.

الذين وقفوا حول زياد الرحباني يضحكون كاشفين عن أنيابهم، يستعملون لغايات محددة الاسم الفني لزياد وفيروز، يفتحون الحلبة على مصراعيها وتنبري أقلامهم السيوف. يكتبون ضدّ الكراهية والأحقاد والخلفيات الطائفية فيما هم يبذرون بذارها ليل نهار ويقتاتون منها. مع أنظمة الاستبداد هم، منذ البداية، منذ ما قبل ولادة داعش وأخواتها وحتى قبل أن تلمع سكاكينها في الظلام. هؤلاء أنفسهم يريدوننا أن ننسى مسلسل المؤامرات والقتل الذي رافق حياتنا كلها منذ نصف قرن حتى اليوم. يريدوننا أيضا أن نغطّي إرهابا بإرهاب آخر، أن نفاضل بين قاتل وقاتل، بين سكّين وسكّين، وأن نتآمر على الأجساد المعذّبة والدم المراق.

ينزل زياد الرحباني إلى هذه الحلبة معلنا عن وجهه الآخر. زياد الموسيقي غير زياد السياسي. زياد السياسي هو أيضا، وكما يعرف الجميع، مولع بستالين ويفتخر بوقوفه إلى جانب أحد الذين ساهموا في ارتكاب إحدى أكبر المجازر في القرن العشرين، وكانت محصّلتها أكثر من ستين مليون قتيل.

عادة يموت المرء ليظهر هيكله العظمي، لكن في أوطان العرب اليوم يظهر الهيكل العظمي للملإ حتى قبل الموت. هذا ما يقوله السجال الذي فتحه زياد الرحباني بالحديث عن نفسه وعن السيدة فيروز… يؤكد هذا السجال أيضا أنّ المبدع يمكن أن يكون من المؤيدين لهذا الفريق من القتلة أو ذاك، يرقص معهم رقصة الموت ويدخل هذا الاحتفال المأتمي البائس فيصير، على مستوى واحد وفي صفّ واحد، مع العاملين في أجهزة المخابرات، سياسيين وإعلاميين.


* شاعر وإعلامي لبناني مقيم في باريس.

14