زياد الرحباني يذهب بمسرحية "فيلم أميركي طويل" إلى السينما

قبل 36 عاما صنع الفنان المسرحي والموسيقي اللبناني زياد الرحباني من بلد صغير مصحا عقليا أنهكته خمس سنوات من الحرب الأهلية، وفي هذا المشفى العقلي توجد الطوائف اللبنانية جميعها متمثلة بشخصيات تعكس واقع الحال المتشظي على مسرح الوطن الكبير.
الثلاثاء 2016/10/25
زياد الرحباني كما ظهر على أفيش الفيلم

بيروت – جسد المسرحي والموسيقي اللبناني زياد الرحباني في بداية ثمانينات القرن الماضي في مسرحيته الشهيرة “فيلم أميركي طويل” مصحا عقليا جمع الطوائف اللبنانية التي أنهكتها الحرب الأهلية.

وظلت المسرحية لعقود في أذهان الناس عبر التسجيل الصوتي فقط، إلى أن قررت شركة لبنانية ترميم الصوت على الصورة وتقديم هذا العمل كفيلم سينمائي يحمل العنوان نفسه “فيلم أميركي طويل”.

وقد بدأ عرض الفيلم في دور السينما اللبنانية في ثاني تجربة توليفية لشركة “أم ميديا” بعد عرضها مسرحية “بالنسبة لبكرا شو”، والتي جذبت 155 ألفا على شباك التذاكر مطلع العام الحالي.

وتعول الشركة على نجاح مماثل في “فيلم أميركي طويل” لما لهذه المسرحية من تأثير في وجدان الناس، وخصوصا الذين عايشوا الحرب الأهلية ورأوا في زياد الرحباني فنانا يستشرف الحدث ويكتبه لكأنه سيحصل في اليوم التالي.

ويوثق الرحباني توقعاته المسبقة من تاريخ مسرحيته التي يقول في بدايتها إن “أحداث هذه المسرحية تجري في شهر نوفمبر 1980 أو نوفمبر 1979 أو نوفمبر 1978”، وقد أضيف عليها تاريخ حديث يواكب العصر.

وتمثل مسرحية “فيلم أميركي طويل” واحدا من أهم الأعمال المسرحية التي أظهرت عبقرية زياد الرحباني، وعكست تحوّلا كبيرا في مقاربته الخاصة للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مقارنة بمسرحيتي “بالنسبة لبكرا شو” و”نزل السرور”.

مسرحية "فيلم أميركي طويل" تمثل واحدا من أهم الأعمال المسرحية التي أظهرت عبقرية زياد الرحباني

ومن خلال مئة دقيقة، زمن عرض الفيلم، تعود الشخصيات المضطربة عقليا إلى لعب أدوارها بإتقان وعفوية مطلقة لتعكس واقع وطن أصيب بلعنة الطائفية، ومن هذه الشخصيات التي تركت بصماتها على الواقع اللبناني يظهر الأستاذ عبد الذي يجسد دوره الممثل رفيق نجم، وهو أستاذ الجامعة الباحث دوما عن كشف أسباب الحرب والمؤامرة الأميركية.

كما يرى الحشاش أبوليلى (ويجسد دوره الممثل جوزيف صقر) الذي تتم معالجته من الإدمان، أن الحرب أكثر ضررا من نبتة الحشيشة، ونزار ابن الحركة الوطنية الذي اكتشف أنه في “خندق واحد مع الرجعية العربية” التي تمول “حركات التحرر العربي”، وزافين الذي يعرف باسم ستيريو (ويجسد دوره الممثل غازاروس الطونيان)،

تلك الشخصية الأرمينية الواقعة على خط انتماء غير فاصل للهوية، وإدوار (ويجسده زياد أبوعبسي) المتوجس دائما من المحمودات أو الإسلام الساعي إلى التخلص من المسيحيين.

ولعل شخصية رشيد التي يؤديها زياد الرحباني هي الأقرب توصيفا لمرحلة الثمانينات، حيث تحول لبنان الجديد إلى “لحم بعجين”.

وفي الفيلم المسرحية تبرز أغان كثيرة يؤديها جوزيف صقر وكانت ولا تزال لصيقة باللبنانيين أكثر من نشيدهم الوطني، حيث أصبحت أغنية “يا زمان الطائفية” من أكثر الأعمال الفنية لزياد الرحباني والتي تعكس واقع الحال المتشظي طائفيا.

في الفيلم المسرحية تبرز أغان كثيرة يؤديها جوزيف صقر وكانت ولا تزال لصيقة باللبنانيين أكثر من نشيدهم الوطني

كل هذه الشخصيات التي صعدت إلى خشبة مسرح جان دارك في بيروت عام 1980، اجتمعت في مئة دقيقة سينمائية، مساء الأحد، بعد اختصار المسرحية الأم التي تقارب الساعتين وربع الساعة.

وتفاعل الحضور الذي غصت به قاعة المسرح مع الفيلم، وكأنه يشاهد المسرحية مباشرة، إذ راح يصفق للممثلين ما إن اعتلوا المسرح ورددوا الأغاني التي أداها الفنان اللبناني الراحل جوزيف صقر.

وتنوع الحضور ما بين جيل شاهد المسرحية التي لاقت نجاحا جماهيريا في عرضها الأول عام 1980 وأراد أن يعيش مجددا ذكريات بيروت في هذا العمل، وبين جيل من الشباب ترعرع على تسجيلات مختلف أعمال زياد الرحباني. وكما مسرحية “بالنسبة لبكرا شو” التي تم عرضها على الشاشة الكبيرة في بداية هذا العام، فإن “فيلم أميركي طويل” قد تم تصويره بكاميرا ليال رحباني شقيقة زياد وابنة فيروز وعاصي الرحباني التي توفيت في تسعينات القرن الماضي.

ويقول الناقد الفني بيار أبي صعب إن “الشركة المنتجة التي يرأسها إيلي خوري قد انتشلت بعض الكنوز النائمة في الأرشيف من خطر الضياع والنسيان وأعادتها إلينا بدهشة”. ويبقى أهم ما يميّز “فيلم أميركي طويل” تشريحه الواقع السياسي المعقد في لبنان، خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وما بعدها، لا بل استشرافه للعقود القادمة، من خلال مقاربة سياسية-فنية تفوق في توقعاتها السياسية سيل التحليلات النظرية في مرحلة الحرب الأهلية وما بعدها.

16